ذاكرة المستقبل: وحيد دفع الله
أولان باتور – منغوليا | 27 أغسطس 2026
دخل مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD COP17)، الخميس، يومه الأخير من الأيام الموضوعية تحت عنوان «يوم النظم الغذائية وصحة التربة»، في وقت اتجهت فيه النقاشات بصورة مباشرة نحو العلاقة الوثيقة بين صحة التربة، وإنتاج الغذاء، والقدرة على الصمود أمام تغير المناخ وتدهور الأراضي.
وشهد المؤتمر إطلاق «تقرير حالة موارد التربة في العالم 2026»، في خطوة تضع المعرفة العلمية حول حالة التربة أمام صانعي السياسات والمفاوضين. وأشار التقرير إلى استمرار تعرض موارد التربة لضغوط متزايدة، مع بقاء تآكل التربة أحد أخطر التهديدات العالمية، إلى جانب ضعف تبني ممارسات الإدارة المستدامة للتربة في مناطق واسعة من العالم.
وفي جلسة «التربة الحية، الأراضي المنتجة: من السياسات إلى التنفيذ»، أُطلق الدليل المشترك بين منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) واتفاقية مكافحة التصحر بعنوان: «التربة الحية، الأراضي المنتجة، المناظر الطبيعية القادرة على الصمود»، والذي يهدف إلى مساعدة الدول على تحويل قرارات مؤتمرات الأطراف إلى إجراءات عملية لاستعادة الأراضي الزراعية.
وكان بارون جوزيف أور، كبير العلماء في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، من الأصوات العلمية البارزة في هذا المسار الذي يربط بين القرار السياسي والمعرفة العلمية والتنفيذ الميداني.
كما حضرت منظمة (الفاو) بقوة في النقاشات، مع التأكيد على أن استعادة الأراضي الزراعية لا يمكن فصلها عن إدارة المياه، والتخطيط لاستخدام الأراضي، وحماية حقوق الحيازة، وتطوير نظم إنتاج أكثر استدامة وقدرة على الصمود. وقالت بيث بيتشول، نائبة المدير العام للمنظمة، إن التحدي لا يكمن فقط في امتلاك المعرفة والحلول، بل في ضمان وصولها إلى المزارعين والمجتمعات وتوسيع نطاق تطبيقها.
وعلى الصعيد الاقتصادي، ركزت النقاشات على ضرورة توجيه التمويل والاستثمار نحو صحة التربة واستعادة الأراضي الزراعية، باعتبار أن الحلول العلمية لن تحقق أثراً واسعاً ما لم تتوفر لها الموارد المالية والسياسات المشجعة على التطبيق الشامل.
وخلال إحدى الجلسات المخصصة لمناقشة النظم الغذائية والتربة، شارك نَبيل بن خَطْرا، الأمين التنفيذي لمرصد الصحراء والساحل، في حوار حول تعزيز الترابط بين السياسات الوطنية للنظم الغذائية واستعادة الأراضي وصحة التربة، بما يعكس أهمية التعاون الإقليمي، لا سيما في المناطق الجافة. كما برزت «الزراعة الإيكولوجية» باعتبارها أحد المسارات المحورية التي تجمع بين استعادة الأرض، وحماية التنوع البيولوجي، والعمل المناخي، وإنتاج الغذاء، بدلاً من معالجة كل ملف بصورة منفصلة.
وفي هذا السياق، شارك ديندو كاميلان، المدير الإقليمي لآسيا وأوقيانوسيا في الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، في فعاليات تناولت الابتكار والاستثمار واستعادة الأراضي، مؤكداً أهمية تحويل الحلول المثبتة نجاحها إلى تطبيقات واسعة النطاق.
ولم يغب الشباب عن أجندة اليوم؛ إذ شهد COP17 إطلاق دليل تنفيذ بيان (Youth4Soil) وإنشاء منصتها الرسمية، بهدف تحويل أولويات الشباب المتعلقة بصحة التربة واستعادة الأراضي إلى مسارات عمل تنفيذية. كما ارتبطت الفعالية بالاحتفال بـ «السنة الدولية للمزارعة 2026»، مع إبراز الدور المحوري للنساء والشباب في استعادة الأراضي، والزراعة الإيكولوجية، وإدارة التربة، والأمن الغذائي.
أما في الجانب التفاوضي، فقد استمرت اجتماعات مجموعات الاتصال بشأن الميزانية وعدد من الملفات الأخرى بالتزامن مع اقتراب المؤتمر من مرحلته النهائية. وتركزت أعمال اليوم على إعداد التقارير والقرارات التي ستُنقل إلى الجلسات الختامية في 28 أغسطس.
ومع اختتام الأيام الموضوعية الأربعة للمؤتمر -من التمويل إلى المياه، ثم الأرض والناس، وصولاً إلى الغذاء وصحة التربة- بدأت رؤية COP17 تتبلور بوضوح: استعادة الأرض ليست مشروعاً بيئياً منفصلاً، بل منظومة مترابطة تبدأ من التربة والمياه وتمتد إلى الغذاء والاقتصاد وسبل العيش.
ويحمل يوم 27 أغسطس رسالة مباشرة للمفاوضين: لا يمكن الحديث عن الأمن الغذائي المستقبلي دون الحديث عن صحة التربة، ولا يمكن استعادة الأراضي على نطاق واسع دون ربط العلم بالسياسات والتمويل والمزارعين والمجتمعات المحلية.
ومع بقاء يوم واحد على اختتام COP17، تتجه الأنظار من الأيام الموضوعية إلى القرارات النهائية؛ حيث سيظهر ما إذا كانت هذه النقاشات والمبادرات والالتزامات ستتحول إلى قرارات دولية وآليات تنفيذ تقود المرحلة المقبلة من العمل العالمي لاستعادة الأراضي ومواجهة الجفاف.
بيئة
COP17 يضع صحة التربة في قلب مستقبل الغذاء واستعادة الأراضي