ذاكرة المستقبل : وحيد دفع الله
الجزء الثالث: ما الذي كان يحدث داخل الجليد والصخر؟
في العددين السابقين، بدأنا من بعيد.
نظرنا إلى الجبل، ثم تتبعنا الانهيار من أعالي الهيمالايا إلى الأنهار والقرى.
لكننا تركنا سؤالاً واحداً مفتوحاً:
لماذا انهار الجبل؟
السؤال يبدو بسيطاً، لكنه ليس كذلك.
فالجبل الذي انهار في السادس والعشرين من أغسطس لم يتكوّن في يوم واحد، والجليد الذي غطى منحدراته لم يكن مجرد طبقة بيضاء رقيقة تنتظر الذوبان. كان هناك نظام طبيعي معقد يعمل منذ سنوات؛ ثلج يتراكم، وجليد يتشكل، وصخور تتشوق، ومياه تتحرك داخل الجبل، ودرجات حرارة تتغير.
ثم، في لحظة معينة، فقد جزء من هذا النظام توازنه.
وهنا تبدأ القصة العلمية.
في أعالي الهيمالايا، يبدأ الجليد من شيء بسيط جداً: الثلج.
تسقط الثلوج، وتتراكم طبقة فوق طبقة. ومع الوقت، تضغط الطبقات الجديدة على القديمة، ويتغير شكل الثلج وكثافته إلى أن يتحول تدريجياً إلى جليد.
لكن الجليد لا يعيش بمعزل عن الجبل.
إنه يلتصق بالصخور، ويدخل الشقوق، ويتحرك ببطء، ويؤثر في شكل المنحدرات. وفي بعض الأماكن، توجد طبقات من التربة والصخور تظل متجمدة لسنوات طويلة.
وهنا تدخل درجة الحرارة في القصة.
عندما ترتفع الحرارة، لا يتغير سطح الجليد فقط؛ فالماء الناتج عن الذوبان يمكن أن يتسرب داخل الشقوق، والتجمد والذوبان المتكرران يمكن أن يغيرا طبيعة الصخور. كما أن ارتفاع الحرارة في المناطق شديدة الارتفاع يمكن أن يؤثر في التربة الصقيعية التي تساعد أحياناً على تثبيت المنحدرات.
لذلك، فإن الاحترار في الجبال لا يعني فقط أن كمية الجليد تقل.
بل قد يعني أيضاً أن العلاقة بين الجليد والصخر والماء تتغير.
وهذا هو الجزء الذي لا نراه بسهولة من سطح الأرض.
قد يبدو الجبل ثابتاً تماماً، بينما تتغير ظروف استقراره ببطء من الداخل.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن منطقة الهيمالايا تشهد تغيرات سريعة في الجليد والبيئات المتجمدة، وأن ارتفاع الحرارة يمكن أن يزيد من عدم استقرار بعض المنحدرات العالية. لكن هذا لا يعني أن كل انهيار يحدث في الجبال سببه تغير المناخ بشكل مباشر؛ فلكل انهيار مجموعة من العوامل المحلية والجيولوجية الخاصة به.
وفي حالة جبل «لانغتانغ ليرونغ»، أصبحت صور الأقمار الصناعية أهم من أي وقت مضى.
فالصور التي التُقطت قبل الكارثة وبعدها أظهرت أن الانهيار شمل جزءاً من الجليد والكتلة الصخرية الموجودة تحته.
وهذه نقطة غيّرت فهمنا للحدث.
لم تكن مجرد قطعة جليد انفصلت عن نهر جليدي وسقطت في الوادي؛ بل إن الجليد والصخر تحركا معاً.
وعندما انهارت الكتلة من ارتفاع يقارب 5200 متر، سقطت نحو 1200 متر قبل أن تصل إلى الوادي، حيث دخلت إلى النظام النهري وحوّلت طاقة السقوط إلى حركة هائلة من الصخور والجليد والماء والرواسب.
وهنا نصل إلى فكرة مهمة جداً:
الماء لم يكن البداية.
كان الماء واحداً من نتائج سلسلة بدأت في الجبل.
الجبل انهار أولاً.
ثم تحركت الكتلة.
ثم اصطدمت بالوادي.
ثم دخلت المياه والرواسب في العملية.
ثم أصبح النهر جزءاً من الكارثة.
وهذا يفسر لماذا لا تكفي كلمة «فيضان» لوصف ما حدث.
فالفيضان كان آخر مرحلة ظاهرة من سلسلة طويلة؛ بدأت بانهيار جليدي صخري، ثم تحولت إلى تدفق هائل من الحطام، ثم وصلت إلى النهر، وانتقلت إلى المناطق المأهولة.
ولهذا يصف بعض الباحثين ما حدث بأنه «كارثة متسلسلة»؛ أي أن خطراً واحداً يطلق خطراً آخر، ثم يتحول الثاني إلى ثالث، وهكذا.
الجبل يطلق الانهيار.
الانهيار يطلق الحطام.
الحطام يضغط على النهر.
النهر يطلق الفيضان.
الفيضان يدمر الجسر.
والجسر المنهار يصبح بدوره جزءاً من الحطام الذي تحمله المياه.
وهكذا، لا يعود من السهل تحديد لحظة واحدة يمكن أن نسميها «الكارثة».
إنها سلسلة.
وهذه السلسلة هي التي تجعل أحداث الهيمالايا شديدة الخطورة؛ فالجبل شديد الانحدار، والأودية ضيقة، والأنهار تنحدر بسرعة، والمجتمعات والبنية التحتية موجودة في كثير من الأحيان داخل هذه الممرات الطبيعية.
وعندما تتحرك كتلة ضخمة من أعلى الجبل، تصبح الجاذبية نفسها قوة هائلة.
الدراسة الأولية التي أُجريت بعد الكارثة قدرت أن الكتلة تحركت من منطقة الارتفاعات العالية إلى منطقة «راسوا غادي»، قاطعة نحو 22 كيلومتراً فيما يزيد قليلاً على سبع دقائق، بمتوسط سرعة ناهز 46 متراً في الثانية، أي نحو 167 كيلومتراً في الساعة. هذه أرقام أولية وليست قياساً نهائياً لكل مراحل الحركة، لكنها تعطينا فكرة واضحة عن سرعة الحدث.
وعندما وصلت الكتلة إلى النهر، لم تعد المشكلة محصورة في الجبل.
دخلت الكارثة في نظام مائي كامل.
ومن هنا نفهم لماذا ارتفع منسوب نهر «تريشولي» فجأة في مناطق بعيدة عن مصدر الانهيار.
انتقلت الطاقة من الجبل إلى النهر.
ثم انتقلت من النهر إلى المجتمع.
وهنا يصبح تغير المناخ جزءاً من سؤال أكبر.
العلم لا يقول إن الاحترار العالمي أمسك بالجبل وأسقطه؛ فهذه صياغة مبسطة وغير دقيقة.
لكن العلم يقول إن الاحترار يغير البيئات الجبلية:
الجليد يتراجع.
المناطق المتجمدة تتغير.
المياه الذائبة تزداد في بعض المواسم.
التربة الصقيعية تذوب.
والمنحدرات التي كانت تعتمد جزئياً على الجليد كعامل تثبيت يمكن أن تتغير خصائصها.
ومع استمرار الاحترار، لا يعود السؤال فقط:
كم من الجليد سنفقد؟
بل:
ماذا سيحدث عندما يتغير الجليد الذي كان جزءاً من استقرار الجبل؟
وهذا فرق مهم جداً؛ فالجليد ليس مجرد مخزون للمياه، بل هو في بعض البيئات الجبلية جزء من هندسة الجبل نفسه.
وعندما يتغير، قد تتغير معه طريقة انهيار الجبل.
لهذا السبب أصبحت كارثة نيبال موضوعاً عالمياً يتجاوز حدود البلاد.
فقد حذرت الأمم المتحدة في الأول من سبتمبر من أن منطقة الهيمالايا تواجه مخاطر متزايدة من الفيضانات الجليدية، وأن تغير المناخ يزيد الضغط على الأنظمة الجليدية، بينما أشارت التقديرات الحديثة إلى أن أكثر من ألفي شخص لقوا حتفهم في الكارثة الأخيرة، مع بقاء نحو أربعة آلاف شخص في عداد المفقودين.
لكن هناك شيئاً أهم من الأرقام.
هذه الكارثة تذكرنا بأن تغير المناخ لا يعمل دائماً بالطريقة التي نتخيلها.
نحن معتادون على التفكير في آثاره من خلال صور واضحة:
حرارة أعلى.
جفاف أطول.
أمطار أغزر.
فيضانات أكثر.
لكن هناك مساراً آخر أقل وضوحاً:
حرارة أعلى.
ثم تغير بطيء في الجليد.
ثم تغير في الصخور والمنحدرات.
ثم انهيار مفاجئ.
ثم فيضان.
ثم نزوح.
ثم خسائر اقتصادية وإنسانية تمتد إلى مناطق بعيدة.
هنا يتحول تغير المناخ من مجرد تغير في درجة الحرارة إلى تغير في سلوك النظام الطبيعي نفسه.
وهذه ربما تكون أهم فكرة خرجت بها قصة نيبال:
لا يجب أن نبحث عن الخطر المناخي فقط في المكان الذي نرى فيه الكارثة؛ بل علينا أن نبحث عنه في السلسلة التي سبقتها.
فإذا أردنا أن نفهم الفيضان، علينا أن ننظر إلى الجبل.
وإذا أردنا أن نفهم انهيار الجبل، علينا أن ننظر إلى الجليد.
وإذا أردنا أن نفهم تغير الجليد، علينا أن ننظر إلى الحرارة.
وإذا أردنا أن نفهم الحرارة، علينا أن ننظر إلى المناخ الذي يتغير على مستوى الكوكب.
وهكذا نكتشف أن القرية التي غمرتها المياه لم تكن منفصلة عن تغير المناخ العالمي؛ بل كانت في نهاية سلسلة طويلة بدأت بعيداً عنها، وعلى ارتفاع آلاف الأمتار.
وهنا تكتمل الصورة الأولى.
الثلج الذي تراكم عبر سنوات تحول إلى جليد.
والجليد أصبح جزءاً من الجبل.
والجبل تغير مع تغير الظروف المحيطة به.
ثم انهار الجليد والصخر.
وسقطت الكتلة.
ودخلت النهر.
وتحول النهر إلى قوة مدمرة.
لكن القصة لا تنتهي هنا.
لأن السؤال الأكبر لم يعد:
ماذا حدث في نيبال؟
بل أصبح:
كم جبلاً آخر في العالم يتغير الآن بالطريقة نفسها، ونحن لا نراه؟
هذه هي النقطة التي ستأخذنا في العدد الأخير إلى الفكرة الأكبر.
سنترك الجبل للحظة، وننظر إلى العالم كله.
من الهيمالايا إلى الأنهار الجليدية في الأنديز، ومن ذوبان التربة الصقيعية في الشمال إلى الفيضانات والانهيارات في المناطق الجبلية، سنبحث عن الفكرة التي تجمع هذه الأحداث المختلفة.
فربما لا يكون التغير المناخي مجرد زيادة في عدد الكوارث، بل ربما تكون المشكلة الأعمق أن الأنظمة الطبيعية نفسها تفقد قدرتها القديمة على امتصاص الصدمات والتعافي منها.
وعندما يحدث ذلك، لا تصبح الكارثة أكبر فقط، بل تصبح أكثر ترابطاً.
وهنا تبدأ القصة الأكبر التي تحملها «ذاكرة المستقبل».
بيئة
نيبال… عندما يصبح الجبل جزءاً من المناخ