أعلنت لجان مقاومة بلدية القضارف رفضها القاطع لاستخدام موازين القوى العسكرية كوسيلة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية في السودان، مؤكدة أن الحوار السياسي الذي يُدار من داخل مناطق سيطرة أحد طرفي النزاع يفتقر إلى الشروط الجوهرية لإنهاء الحرب، ولا يملك مقومات التأسيس لسلام مستدام.

ورحبت اللجان، في بيان صحفي موسع أصدرته اليوم، بمخرجات الاجتماع التشاوري للقوى المدنية المناهضة للحرب، الذي عُقد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، واعتبرت انعقاده والنتائج الصادرة عنه خطوة مفصلية نحو إعادة بناء الموقف المدني السوداني. وأوضحت أن أهمية تلك المخرجات تكمن في تحديد الأولويات بشكل واضح، والتمييز الصارم بين عملية تفاوضية تنهي الحرب وتؤسس لسلام عادل، وبين عملية سياسية تُدار في أحشاء الحرب وتعمل على إعادة إنتاج شروطها وضخها في المجال العام تحت مظلات زنيفة.

وانتقد البيان بشدة الدعوة التي أطلقها القائد العام للقوات المسلحة تحت مسمى "الحوار السوداني–السوداني"، مؤكداً أن الأزمة لا تكمن فقط في انعقاد الحوار داخل مناطق سيطرة الجيش، بل في كون أحد أطراف الصراع المسلح ينصب نفسه وكيلاً حصرياً لتحديد إطار العملية السياسية وشروطها ومكانها وأجندتها. وأشار البيان إلى أن هذا النهج ينسف أصل العملية السياسية، إذ يتحول الفاعل العسكري من طرف يحتاج إلى التفاوض والوصول إلى تفاهمات مع الآخرين، إلى طرف مهيمن يتولى تعريف شكل التفاوض ومخرجاته وفق مقاسات القوة الميدانية.

تجيء هذه التطورات في ظل انسداد سياسي معقد وتصاعد حدة الاشتباكات العسكرية، وسط مخاوف جدية من انقسام البلاد إلى مناطق نفوذ معزولة تحكمها سياسة الأمر الواقع. ويُمثل موقف اللجان ضغطاً سياسياً وتوعوياً متزايداً على المنظمات الإقليمية—كالاتحاد الأفريقي وإيغاد—للتأكيد على أن أي اعتراف بمخرجات حوار تُديره أطراف عسكرية أحادية سينتج عنه تعميق للأزمة السودانية بدلاً من حلها، كما يُبرز تمسك القواعد الشبابية والمدنية بمرجعيات ثورة ديسمبر ورفض شرعنة سلطة السلاح.

وحذرت "مقاومة القضارف" من تحول الانقسام الميداني والجغرافي الحالي إلى بنية سياسية دائمة تُقسم البلاد بحكم الأمر الواقع، مشددة على أن وحدة السودان لا تُصان بالعبارات الدبلوماسية، بل بإغلاق كافة المنافذ أمام أي مسار يجعل من مناطق النفوذ العسكري مراكز شرعية لصناعة القرار الوطني، معتبرة أن تحويل السيطرة على الأرض إلى أفضلية سياسية يعني ترجمة نتائج الحرب إلى أداة تسلطية جديدة.

وفي السياق ذاته، استنكرت اللجان تصريحات مفوضية الاتحاد الأفريقي المرحبة بالمبادرة الأحادية، مؤكدة أن الوساطة الإقليمية تفقد معناها الأخلاقي والسياسي حين ترحب بمبادرات صادرة عن طرف عسكري دون ربطها بوقف إطلاق النار أو ضمان استقلالية العملية وشموليتها. وأضافت أن توقيت تصريح المفوضية جاء مؤسفاً كونه تلا مباشرة اجتماع القوى المدنية في أديس أبابا، وكان الأجدر بالمؤسسة القارية الاستماع إلى الصوت المدني المستقل بدلاً من منح غطاء سياسي لمسارات أحادية.

واختتمت لجان مقاومة بلدية القضارف بيانها بالتأكيد على أن رفضها للمسار الحالي لا يعني إقصاء الحوار، بل يهدف إلى "تحريره من سلطة الحرب"؛ عبر عملية سياسية أوسع من أطراف النزاع، تنطلق أولاً بوقف شامل وفعلي للعدائيات، وإيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، وحماية المدنيين، تمهيداً لفتح مسار سياسي مدني يحقق تطلعات الشعب السوداني في التحول الديمقراطي والدولة المدنية.