بقلم: وهاج كمال
تُجمع المواثيق والأعراف الدولية على أن الطفولة حقٌّ وحمىً محصنٌ بصفة قاطعة، لا تجيز استباحته أي ضرورة عسكرية أو تسويق سياسي. فالقانون الدولي الإنساني، المتمثل في اتفاقيات جنيف والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977 والبروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل لعام 2000، يقرر بوضوح لا لبس فيه حظر تجنيد القاصرين دون سن الثامنة عشرة أو إقحامهم في العمليات القتالية والخدمات الميدانية. علاوة على ذلك، يذهب نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية إلى تصنيف تجنيد الأطفال أو استخدامهم في النزاعات المسلحة كـ "جريمة حرب" مكتملة الأركان تستوجب الملاحقة الجنائية الدولية وعدم الإفلات من العقاب. غير أن هذه النصوص والمبادئ الأخلاقية الصارمة تتلاشى على أرض الواقع السوداني، لتتحول العهود الدولية إلى حبر على ورق أمام هول الانتهاكات اليومية التي تعصف بأبسط حقوق الطفل في الأمان والحياة.
وفي هذا السياق القانوني والعدلي المتدهور، تتجسد المأساة الحية في قصة الطفل "وليد"؛ ففي الثالث عشر من أغسطس، وتحت هجير الكرمك في منطقة النيل الأزرق، انتهى به المطاف أسيراً على يد قوات الدعم السريع. وليد، الذي تنحدر جذوره من أزقة منطقة صالحة جنوبي مدينة أم درمان، لم يكن سوى جندي قاصر ضمن الكتائب المساندة للقوات المسلحة السودانية. لم تكن قصته مجرد حادثة عابرة في أرشيف الحرب، بل نافذة يطل منها المتابع على مأساة مئات الأطفال الذين كان مفترضاً أن تجلس أجسادهم الغضة على مقاعد الدراسة، فإذا برغيف الخبز وسخونة الأحداث يضعان السلاح في أيديهم الطرية، ليتغير مجرى حياتهم من فناء المدرسة إلى خنادق المواجهة.
وعلى الرغم من أن ظاهرة العنف ضد الصغار تضرب بجذورها في تاريخ النزاعات السودانية منذ عقود، إلا أن وتيرتها بلغت مستويات غير مسبوقة عقب اندلاع النزاع المسلح في منتصف أبريل بين الجيش وقوات الدعم السريع. وتكشف التقارير التوثيقية، الصادرة عن جهات حقوقية بارزة مثل المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام، عن تورط طرفي الحرب المباشر في هذا التجاوز المروع؛ حيث أضحى تجنيد القاصرين والزج بهم قسراً في الأنشطة القتالية سلوكاً متكرراً، بل وصل الأمر إلى إجبار بعضهم على ارتكاب أعمال عنف مروعة ضد المدنيين وأقرانهم من الأطفال، في مشهد يختصر حجم الخرق الجسيم للقواعد الآمرة في القانون الدولي.
ومع استمرار المعارك، أصبحت المدارس والمؤسسات التعليمية حلقة أضعف في هذه المعادلة الصفرية. فبدلاً من أن تكون المدارس ملاذات آمنة تحتضن الأحلام الناشئة، تحول جزء منها—وفقاً لتوثيقات المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان—إلى مراكز للاستقطاب والتدريب العسكري. وتبرز في هذا السياق "كتيبة البراء بن مالك"، الحليفة للجيش، كإحدى الواجهات التي جرى توثيق استقطابها للأطفال واقتيادهم نحو الثكنات، ليمتد الاستغلال إلى ما هو أبعد من الميدان؛ حيث يتم توظيف هؤلاء الصغار في إنتاج محتوى إعلامي وسياسي وديني يُبث عبر المنصات الرقمية كـ "تيك توك"، في استغلال صارخ للبراءة. ولم تسلم الفتيات من هذا المصير القاتم، إذ جرى الزج ببعضهن في أعمال السخرة الميدانية والاستطلاع وتوفير الدعم اللوجستي.
إن هذا التحول الدراماتيكي في حياة أطفال السودان لم يأتِ من فراغ، بل غذته ظروف قاهرة تتجاوز قدرة القاصرين على الاحتمال. فقد أدى الانهيار الاقتصادي وتفشي الفقر عقب الحرب إلى تحويل الانضمام للمجموعات المسلحة إلى خيار يتيم لكسب العيش وسد الرمق، في ظل نزوح ملايين العائلات وتفكك البنى الاجتماعية الحامية. كما أن إغلاق المدارس وحرمان الملايين من حقهم في التعليم خلقا فراغاً هائلاً استغلته الأطراف المتحاربة بالضغط والإكراه، أو بالشحن المعنوي عبر ربط حمل السلاح بمفاهيم الشجاعة والوطنية وحماية الأهل، مما يوقع الطفل في فخ السلاح تحت وطأة الحاجة وعاطفة الحماية.
تترك هذه التجربة القاسية جروحاً غائرة لا تقف عند حدود الموت أو الإعاقات الجسدية الدائمة، بل تمتد لتزرع صدمات نفسية عميقة وتخلف انقطاعاً كلياً عن مسار المعرفة والنمو الطبيعي، مما يجعل من إعادة دمج هؤلاء الصغار في المجتمع مستقبلاً معركة معقدة تتطلب جهوداً جبارة. ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه، تبرز الحاجة الماسة إلى فرض وقف فوري لتجنيد الأطفال وإبعادهم فوراً عن ساحات العمليات، والإفراج غير المشروط عن كافة الأطفال المحتجزين والأسرى لدى مختلف الأطراف، مع فتح ممرات آمنة وتأمين الدعم النفسي والاجتماعي الشامل.
إن السردية الإنسانية والقانونية لأطفال السودان تضع المجتمع الدولي وأطراف الصراع أمام مرآة الحقيقة: فالجرم المتواصل بحق الصغار لا يهدد الحاضر فحسب، بل ينسف أسس المستقبل ويجرف أجيالاً كاملة نحو الفراغ. إن العدالة لا تكتفي بتوثيق الجراح، بل تتطلب إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب ومحاسبة كل من تورط في تجنيد طفل أو الدفع به نحو محرقة الموت. إن حماية طفولة السودان واستعادة أحلامها المهدورة لن تتحقق عبر البنود القانونية الصامتة، بل ترتهن بالكامل لفرض إرادة حقيقية لوقف الحرب وإنهاء النزاع، حتى تسقط البنادق وتفتح الفصول المدرسية أبوابها مجدداً ليحل صوت السلام والحياة محل نداءات الموت والدمار.
المقالات
عندما تتحول الطفولة إلى ساحات قتال: أطفال السودان في مرمى النيران