تصاعدت نبرة الخلافات السياسية والتحالفات المعقدة في أروقة السلطة بالعاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان، عقب اتهام صريح وشديد اللهجة وجهته حركة العدل والمساواة السودانية لرئيس الوزراء حكومة الامر الواقع ، الدكتور كامل إدريس، بمخالفة اتفاق جوبا لسلام السودان والوثيقة الدستورية المنظمة للفترة الانتقالية (التي تم الانقلاب عليها في 25 أكتوبر 2021م). وجاء ذلك على خلفية صدور قرارات أحادية قضت بإقالة عدد من ممثلي أطراف العملية السلمية من مواقعهم التنفيذية والوزارية في «حكومة الأمل»، في تطور يرى فيه مراقبون شرخا هيكليا يعيد تشكيل خارطة التوازنات السياسية والعسكرية، ويهدد بشكل مباشر تماسك المعسكر المناهض لقوات الدعم السريع.
وأوضحت الحركة، في بيان صادر عن أمانة التفاوض والسلام يوم السبت الثامن من أغسطس 2026، أن الغرض الأساسي والركيزة الجوهرية من مشاركة أطراف السلام في السلطة لم تكن يوما مجرد البحث عن المحاصصات الوزارية أو الوظيفية، بل كانت تهدف بالأساس إلى بناء نظام حكم توافقي جديد يقوم على الوفاء بالعهود والمواثيق المبرمة للوصول إلى التحول الديمقراطي المستدام. وحذر البيان، الموقع باسم أمين التفاوض والسلام والمسؤول عن متابعة تنفيذ الاتفاق المرضي أبو القاسم، من أن أي تعثر أو تنصل من الالتزام بالشق السياسي والمسار التوافقي من اتفاق جوبا سينعكس بصورة مباشرة وبشكل سلبي حاد على المسار الميداني وعلى ملف عملية الترتيبات الأمنية الشاملة في البلاد. وجاء التنبيه محاطا بتذكير حاسم بالمواقف الميدانية للقوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة، التي تخوض المعارك وتقدم أجزاء وازنة من دماء أبنائها قتالا بشرف وثبات إلى جانب القوات المسلحة.
وفي قراءة متعمقة لمآلات هذا القرار، يرى المحلل السياسي أحمد عثمان أن هذا التصعيد لا يمثل مجرد خلاف إداري عابر حول الحقائب التنفيذية أو توزيع النفوذ المؤسسي، بل يكشف عن اهتزاز عميق في شرعية التوافق الهش الذي تستند عليه سلطة الأمر الواقع في بورتسودان. ويرى عثمان أن إظهار الشراكة السياسية وكأنها خاضعة لتقلبات القرارات الأحادية ومزاجية الإقالات ينزع المشروعية التضامنية عن «حكومة الأمل» أمام القوى الوطنية والمجتمعين الإقليمي والدولي، كما يظهر المعسكر المتحالف مع الجيش وكأنه غير قادر على إدارة التحالفات المدنية والعسكرية المعقدة في لحظات الأزمات الوطنية الأكثر حرجاً.
ويستطرد عثمان موضحا أن الخطورة الأبرز والأكثر حساسية لهذا التوتر تكمن في أبعاده الميدانية والعسكرية المباشرة؛ إذ إن الربط الصريح والعلني الذي أوردته حركة العدل والمساواة بين حفظ المكاسب السياسية واستمرار التنسيق في ملف الترتيبات الأمنية يهدد بإيجاد حالة واسعة من التذمر وسوء الثقة والتنافر بين القيادات الميدانية للحركات المسلحة والقيادة التنفيذية للدولة في بورتسودان. ففي الوقت الذي تخوض فيه القوة المشتركة معارك شرسة واستنزافية في جبهات حاسمة ومصيرية مثل الفاشر وأطراف كردفان ومشارف الخرطوم، ينشأ شعور متنامٍ لدى المجموعات المقاتلة على الأرض بأن مكتسباتها الميدانية والسياسية المكفولة باتفاقيات سلام دولية تنتزع وتصادر في المنافذ الخلفية لمكاتب صنع القرار السياسي والعاصمة الإدارية.
ويضيف عثمان أن هذا الشرخ المستجد يمنح الخصوم الميدانيين، وفي مقدمتهم قوات الدعم السريع، مادة سياسية وإعلامية دسمة للتشكيك في مدى تماسك حلفاء القوات المسلحة وثبات جبهتهم الداخلية، فضلا عن أنه يفتح ثغرة أمنية قد تفضي إلى تأجيل أو إبطاء مستويات التنسيق العسكري والعملياتي المشترك في مسارح القتال إذا لم يتم تدارك احتواء الأزمة بمرونة وبُعد نظر إستراتيجي.
وتجمع القراءات التحليلية الصادرة من بورتسودان على أن تطورات الأيام القليلة المقبلة ستضع القائد العام للجيش أمام خيار التدخل المباشر والحاسم لإيجاد «تسوية أو رضاوة سياسية» عاجلة تعيد ضبط إيقاع العلاقة مع الحركات المسلحة وتلجم حالة الاستقطاب التنفيذي. ويأتي هذا التدخل المفترض لتفادي الذهاب نحو سيناريو التصعيد المفتوح، الذي قد يدفع بعض حركات دارفور والمسارات المسلحة إلى تجميد مشاركتها التنفيذية والسياسية في حكومة بورتسودان، وهو ما سيُعمق أزمة الحكم القائمة ويزيد من تعقيدات وتقلبات المشهد السوداني المعقد أساساً.