تقرير: محمد ديوب
أنتجت الحرب المندلعة في السودان منذ أبريل 2023 أرشيفاً هائلاً ومتناثراً؛ صوراً ومقاطع فيديو، شهادات ناجين وشهود، وثائق رسمية وطبية، تسجيلات صوتية ومنشورات رقمية، التقطها مواطنون وصحفيون وموثقون في لحظات القصف والنزوح والانتهاكات.
لكن كثرة المواد لا تعني بالضرورة أن السودان يمتلك أرشيفاً قادراً على خدمة العدالة مستقبلاً. فجزء من هذه الأدلة موجود في هواتف أشخاص يعيشون تحت الخطر، وجزء آخر موزع بين مبادرات حقوقية ومنظمات تعمل بموارد محدودة، بينما تواجه الملفات الرقمية مخاطر الحذف والتلف وفقدان البيانات والسياق الذي يحدد أين ومتى وكيف وقعت الجريمة.
خوف النجاة وضياع «الدليل»
قالت شابة (فضّلت حجب اسمها) كانت تعمل في صيدلية خلال بداية الحرب، إنها كانت توثق بهاتفها بعض ما يجري حولها، بدءاً من تأثير القتال على المنطقة وصولاً إلى أوضاع الناس وحركة الحياة اليومية. وتقول لـ «ذاكرة المستقبل» إنها لم تكن تنظر إلى ما تصوره باعتباره «أدلة» يمكن استخدامها مستقبلاً، وإنما كانت توثق ما تراه أمامها في تلك اللحظة.
بعد أن هاجمت قوة من الدعم السريع الصيدلية التي كانت تعمل فيها، تغير موقفها من الهاتف والمواد التي يحتويها. تقول إنها بدأت تخشى أن يقع هاتفها في أيدي أفراد القوة، وأن تخضع للتفتيش، وأن تُفسر الفيديوهات التي صورتها باعتبارها مواد تدين أحد أطراف الحرب. وبسبب هذا الخوف، قررت حذف الفيديوهات التي كانت قد صورتها، ثم كسرت الهاتف نفسه.
وتضيف: «كنت أخاف من التفتيش بدرجة كبيرة. لم أكن أعرف كيف يمكن أن يفسروا ما صورته أو ماذا يمكن أن يحدث إذا اعتبروا أن الفيديوهات تدين طرفاً أو تكشف شيئاً لا يريدون ظهوره. في تلك اللحظة كانت سلامتي أهم من أي شيء».
لم تحتفظ الشابة بأي نسخة من الفيديوهات، ولم تكن تفكر وقتها في النسخ الاحتياطي أو حفظ المواد في مكان آخر. كان هدفها، كما تقول، التخلص منها ومن الهاتف بأسرع ما يمكن.
بعد أن هدأت حدة الخوف، بدأت تشعر بالحسرة على فقدان تلك المواد، خصوصاً بعدما أدركت أنها ربما كانت توثق جانباً من الحياة اليومية خلال فترة لم يكن كثير من الناس قادرين فيها على التوثيق.
وتقول: «في البداية شعرت أنني فعلت الشيء الصحيح لأنني كنت أحاول حماية نفسي. لكن بعد ذلك بدأت أشعر بالحسرة لأنني فقدت شيئاً لا يمكن استعادته. لم أكن أملك وقتها رفاهية التفكير في المستقبل، كنت أفكر في النجاة فقط».
وترى الشابة الآن أنها كانت ستحتفظ بالفيديوهات لو توفرت لها جهة موثوقة تستطيع إيداع المواد لديها دون الكشف عن هويتها أو تعريضها للخطر. وتضيف: «الآن أدرك أن ما صورته لم يكن مجرد فيديوهات شخصية، وإنما جزء من ذاكرة الحرب، وربما كانت هذه المواد ستساعد يوماً في معرفة ما حدث وتوثيقه».
الأدلة الكثيرة لا تعني ذاكرة محفوظة
يرى الصحفي والمدافع عن حقوق الإنسان والموثق حسين سعد، أن توثيق الانتهاكات في السودان يجري عبر مسارات متعددة؛ تبدأ من شهادات الضحايا والناجين والشهود، ولا تنتهي عند الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية. ويشمل ذلك أيضاً الوثائق الرسمية والطبية، وقوائم القتلى والمفقودين، والمحتوى المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب صور الأقمار الصناعية ومصادر المعلومات المفتوحة.
لكن الأستاذ حسين يلفت الانتباه، في حديثه لـ «ذاكرة المستقبل»، إلى أن التوثيق الجيد لا يتعلق بجمع أكبر عدد ممكن من الملفات، بقدر ما يتعلق بربط كل واقعة بسياقها. ويقول إن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند «ماذا حدث؟»، وإنما يشمل: «لمن حدث؟ وأين ومتى حدث؟ ومن كان موجوداً؟ وكيف أمكن التحقق من الرواية؟ وهل توجد أدلة مستقلة تؤيدها؟».
ويشير إلى أن أهمية الأدلة الرقمية ومصادر المعلومات المفتوحة ازدادت في السودان بسبب صعوبة الوصول الميداني إلى كثير من مناطق النزاع، لافتاً إلى أن منظمات حقوقية ودولية وثقت استمرار ارتكاب انتهاكات خطيرة ضد المدنيين.
وبحسب حسين، فإن أكثر المواد التي تصل إلى الموثقين من المواطنين والضحايا هي الصور ومقاطع الفيديو التي يلتقطها الأشخاص بهواتفهم، إلى جانب الشهادات الشخصية والتسجيلات الصوتية وصور الإصابات والدمار والجثامين والوثائق التي يحتفظ بها الأفراد أو المؤسسات. لكنه يضيف أن هناك أدلة أقل وضوحاً لا تقل أهمية؛ مثل رسائل التهديد، وسجلات الاتصالات، والمواقع الجغرافية، وأرشيف المنشورات الرقمية، وصور الأقمار الصناعية.
ويؤكد أن الشهادة الشخصية قد تكون في بعض الحالات أهم عنصر في عملية التوثيق، خصوصاً عندما لا توجد كاميرا أو وثيقة تسجل الواقعة.
حماية غير كافية
لا يرى حسين أن بالإمكان القول إن جميع الأدلة التي جُمعت خلال الحرب محفوظة بصورة آمنة. ويشير إلى وجود جهود ومبادرات سودانية متخصصة في الأرشفة والتوثيق، لكنه يرى أن المشهد لا يزال «مجزأً ومعرضاً لمخاطر كبيرة».
ويقول إن اتساع رقعة الحرب، وضعف الإنترنت، وانقطاع الكهرباء، والنزوح المتكرر، والمخاطر الأمنية، كلها عوامل تجعل جزءاً من الأدلة موجوداً في هواتف الأفراد أو حساباتهم الشخصية، وهو ما يمثل خطراً على استمرارها.
ويعتبر أن الخوف على حياة أصحاب المعلومات والأدلة يأتي في مقدمة أسباب ضياعها. فقد يضطر شخص، بحسب حسين، إلى حذف صور أو مقاطع فيديو لأن وجودها على هاتفه قد يعرضه للاعتقال أو الانتقام أو اتهامه بالانتماء إلى أحد أطراف الحرب.
ولا يقتصر الأمر على الحذف المتعمد، إذ يشير إلى مخاطر أخرى مثل تلف الأجهزة أو فقدان الهواتف وسرقتها، وانقطاع الكهرباء والإنترنت، وتدمير المنازل، والنزوح المتكرر. لكنه يرى خطراً آخر قد يكون أقل وضوحاً؛ وهو ضياع السياق.
ويشرح ذلك قائلاً إن الفيديو قد يبقى محفوظاً «لكن بعد سنوات لا يعود أحد يعرف من صوره، وأين ومتى صُوّر، وما الذي حدث قبله وبعده، وعندها تصبح قيمة المادة للتحقيق أقل بكثير».
ويقول حسين إن احتمال اضطرار المواطنين إلى حذف المواد التي بحوزتهم خوفاً على سلامتهم «واقعي جداً» في سياق الحرب السودانية، مشدداً على أن حماية الشخص الذي يحمل الدليل يجب أن تأتي قبل حماية الدليل نفسه. ويضيف: «لا يجوز أن نطلب من مدني الاحتفاظ بمادة قد تعرض حياته أو حياة أسرته للخطر لمجرد أن المادة قد تكون مهمة للتحقيق مستقبلاً».
ويرى أنه عندما يكون ذلك ممكناً وآمناً، ينبغي نقل نسخة من المادة إلى جهة موثوقة، مع تقليل المخاطر التي قد يتعرض لها صاحبها، وعدم الكشف عن هويته من دون موافقته.
ويستحضر حسين تجربة شخصية حول فقدان المعلومات، قائلاً إنه فقد هاتفه خلال الحرب، وضاعت معه معلومات مهمة لم يتمكن من استعادتها. بالنسبة إليه، تكشف هذه التجربة جانباً آخر من هشاشة الذاكرة الرقمية في زمن الحرب.
ويشير إلى أن وصول صورة أو فيديو إلى الموثق لا يعني تلقائياً أنه أصبح مادة موثوقة. ويقول إنه تلقى تدريباً في السودان قبل الحرب حول توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، كما تلقى في عام 2026 تدريباً متخصصاً في جمع المعلومات.
ويشرح أن التحقق من المواد الرقمية يبدأ، من بين أمور أخرى، بفحص الملف الأصلي وعدم الاكتفاء بالنسخ المعاد نشرها، وتسجيل مصدر المادة وكيف وصلت إلى الموثق، وفحص البيانات الوصفية عندما تكون متاحة، ومحاولة تحديد الموقع من خلال المعالم الجغرافية والمباني والطرق والتضاريس.
كما يشمل التحقق مقارنة التاريخ والوقت مع أحداث أخرى موثقة، والبحث عن نسخ سابقة للمادة أو محتوى مشابه، والاستعانة بصور الأقمار الصناعية والخرائط ومصادر مستقلة عند الحاجة، إلى جانب مقارنة شهادات الأشخاص مع الأدلة الأخرى.
ويؤكد أن الأصل يجب أن يبقى محفوظاً وألا تُجرى عليه تعديلات. كما يرى أهمية تسجيل أي عمليات تمت على الملف، لأن سلامة الدليل وسلسلة حيازته تصبحان مهمتين إذا استخدم لاحقاً أمام جهة قضائية أو آلية للمساءلة.
وبعد جمع الأدلة، يرى حسين أن حفظها لا ينبغي أن يعتمد على جهاز شخص واحد أو مكان واحد، بل يحتاج إلى نسخ احتياطية متعددة وآمنة، مع تقييد الوصول إليها وحماية هويات الضحايا والشهود.
ويقول إن الهدف النهائي ليس مجرد تخزين الملفات، وإنما إنشاء سجل يمكن الرجوع إليه والتحقق منه، بحيث يستطيع المحقق أو الصحفي أو آلية العدالة مستقبلاً معرفة أصل المادة وكيف جُمعت وكيف جرى التحقق منها.
ويوضح حسين أن هناك مبادرات سودانية مهمة تعمل في مجال التوثيق والأرشفة، لكن من الأدق الحديث عن عدة جهود أرشيفية وتوثيقية بدلاً من الحديث عن أرشيف وطني واحد يغطي جميع الانتهاكات. ويضيف أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تعني أن أدلة الحرب موجودة في مكان واحد أو أنها مكتملة.
بالنسبة لحسين، لا ينبغي التعامل مع التوثيق باعتباره نشاطاً إعلامياً فقط، بل باعتباره جزءاً من حماية الذاكرة الوطنية ومن عملية العدالة المستقبلية. ويقترح في هذا السياق بناء شبكة واسعة تربط الصحفيين والحقوقيين والمحامين والباحثين والمبادرات المحلية، إلى جانب تدريب المواطنين والصحفيين على التوثيق الآمن والتحقق الرقمي.
كما يشدد على ضرورة إنشاء نسخ احتياطية متعددة وآمنة خارج مناطق النزاع، وتوحيد معايير التوثيق حتى يمكن دمج المواد المختلفة مستقبلاً، مع إعطاء الأولوية لحماية الشهود والضحايا والمصادر. ويقول إن التعاون مع آليات العدالة الدولية ينبغي أن يكون جزءاً من هذه العملية، خصوصاً مع وجود مسار طويل من التحقيقات الدولية المتعلقة بالسودان ودارفور.
ما الذي نخشى فقدانه؟
لا يضع حسين ضياع الصور والفيديوهات في مقدمة مخاوفه إذا استمرت الحرب لسنوات، بل السياق الإنساني للانتهاكات. ويقول إن آلاف الصور قد تبقى، لكن أسماء أصحابها وشهاداتهم وتفاصيل ما حدث واللحظات التي سبقت الجريمة وتلتها قد تضيع.
ويضيف أن الخطر يكمن أيضاً في أن تتحول الحرب مع مرور السنوات إلى أرقام فقط: قتلى ونازحون وقرى مدمرة، بينما يختفي الإنسان الموجود خلف كل رقم. ويخشى كذلك أن يموت الشهود أو يتشتتوا في بلدان مختلفة، أو يخافوا من الحديث، أو تضيع الوثائق والأجهزة التي تحمل الأدلة.
ويختصر حسين رؤيته بالقول إن معركة حفظ الأدلة يجب أن تبدأ أثناء الحرب وليس بعد انتهائها، لأن ما نفقده اليوم قد يكون من الصعب جداً استعادته غداً.
ومن هذه الزاوية، يرى أن السودان لا يحتاج فقط إلى توثيق الانتهاكات، وإنما إلى بناء ذاكرة موثقة للحرب؛ تحفظ الدليل وتحمي الضحية وتحافظ على السياق، وتتيح للعدالة المستقبلية أن تعرف ليس فقط ماذا حدث، وإنما لمن حدث، وأين ومتى وكيف، ومن المسؤول عنه.
ذاكرة بلا دليل لا تكفي للعدالة
يرى المحامي والباحث المتخصص في القانون الجنائي الدولي وقضايا العدالة الانتقالية عبد الرحيم محمد، أن حفظ الأدلة خلال الحرب لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً تقنياً منفصلاً عن العدالة، بل باعتباره أحد أركان أي مسار عدلي مستقبلي في السودان. ويقول إن العدالة الانتقالية لا تبدأ فقط عند إنشاء المحاكم أو توقيع اتفاق السلام، وإنما تبدأ منذ لحظة حماية الأدلة وتأمين الذاكرة.
ويفرق عبد الرحيم بين المادة التوثيقية والدليل القضائي؛ فالصورة أو الفيديو أو المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي قد يكون مهماً لإثبات وقوع انتهاك أو لفت الانتباه إليه، لكنه لا يصبح بالضرورة دليلاً قضائياً صالحاً للاستخدام أمام المحكمة لمجرد وجوده.
ويشرح أن قيمة الدليل أمام القضاء ترتبط، من بين أمور أخرى، بإثبات مصدره وسلامته، والحفاظ على النسخة الأصلية وبياناتها، وتوثيق كيفية انتقالها من شخص إلى آخر، بما يسمح بالرد على أي ادعاء بأنها تعرضت للتعديل أو التلاعب.
وفي حالة وجود مقطع فيديو في هاتف ضحية أو شاهد، يرى المحامي أن الأولوية هي الحفاظ على الملف الأصلي وعدم تعديله أو قصه أو تغيير خصائصه. كما يشير إلى أهمية الاحتفاظ بالنسخة الأصلية، وإنشاء نسخة احتياطية آمنة عندما يكون ذلك ممكناً، وتسجيل المعلومات المصاحبة للمادة، مثل تاريخ ومكان التصوير، ونوع الهاتف، ومصدر الملف، وما حدث قبل الواقعة وبعدها. لكنه يشدد على أن هذه الإجراءات يجب ألا تعرض صاحب الدليل للخطر، فسلامة الضحية تأتي قبل القيمة الإثباتية للمادة.
ويرى عبد الرحيم أن فقدان بعض البيانات الوصفية أو انتقال الفيديو عبر تطبيقات المراسلة لا يعني بالضرورة أن المادة تصبح عديمة القيمة القانونية، وإنما قد يؤثر في قدرتها على إثبات الواقعة بصورة مستقلة. ويمكن تعزيز المادة من خلال وسائل أخرى، مثل تحديد الموقع الجغرافي، ومقارنة المعالم الظاهرة في الفيديو بالخرائط أو صور الأقمار الصناعية، ومطابقة توقيت الواقعة مع أحداث أخرى موثقة، والاستعانة بشهادات أشخاص كانوا في المكان، إضافة إلى الأدلة الطبية والمادية عندما تكون متاحة. ويقول إن قيمة المادة قد تتعزز عندما تتقاطع مع أدلة مستقلة أخرى، بدلاً من الاعتماد عليها منفردة.
سلسلة حيازة الدليل
يولي عبد الرحيم أهمية خاصة لما يعرف بـ «سلسلة حيازة الدليل»، وهي السجل الذي يوضح كيفية انتقال المادة منذ الحصول عليها، ومن تعامل معها، وكيف جرى تخزينها وحمايتها. ويقول إن الهدف من هذه السلسلة هو القدرة على إثبات أن المادة التي وصلت إلى جهة التحقيق أو المحكمة هي المادة نفسها التي جرى جمعها في البداية، وأنها لم تتعرض للتبديل أو التلاعب.
وفي ظل الحرب، يرى أن مسؤولية الحفاظ على هذه السلسلة تبدأ من الموثق الأول، سواء كان مواطناً أو صحفياً، ثم تنتقل إلى المنظمات والمبادرات المتخصصة التي تستلم المادة.
ويرى عبد الرحيم أنه لا توجد حالياً جهة سودانية واحدة تمتلك أرشيفاً شاملاً وموحداً ومؤمناً يغطي جميع الانتهاكات المرتكبة منذ اندلاع الحرب. ويقول إن المشكلة الأساسية تتمثل في تشظي الأدلة بين هواتف المواطنين، وقواعد بيانات المنظمات والمبادرات، والأرشيفات الرقمية للجهات الدولية.
وبالتالي، فالسودان، بحسب تقديره، لا يعاني بالضرورة من نقص في الأدلة بقدر ما يعاني من غياب منظومة قادرة على استيعاب هذه المواد وتنظيمها والتحقق منها وحفظها بطريقة تسمح باستخدامها مستقبلاً. ويختصر ذلك بالقول إن الحرب السودانية «من أكثر الحروب تسجيلاً»، لكن التحدي الحقيقي هو بناء ما يسميه منظومة أرشفة وفرز وتحقيق قادرة على التعامل مع هذا الحجم الهائل من المواد قبل أن تضيع.
ويحذر من أن فقدان الأدلة الأصلية أو المعلومات المرتبطة بها قد يجعل إثبات بعض الوقائع والمسؤوليات أكثر صعوبة في المستقبل. ويشير إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بإثبات وقوع جريمة معينة، وإنما قد تمتد إلى إثبات المسؤولية القيادية وتسلسل الأوامر، خصوصاً في القضايا التي تحتاج إلى ربط الجريمة بأشخاص أو مستويات قيادية محددة.
كما أن ضياع الوثائق الرسمية، بحسب عبد الرحيم، ستكون له آثار تتجاوز المحاكمات الجنائية إلى ملفات العدالة الانتقالية الأخرى؛ مثل جبر الضرر، وقضايا الملكية، وعودة النازحين واللاجئين، وإثبات حالات الوفاة والمفقودين. ويحذر من أن فقدان هذه السجلات قد يخلق نزاعات جديدة بعد الحرب، خصوصاً فيما يتعلق بالأراضي والممتلكات.
هل تستطيع المنظمات المدنية حفظ الأدلة؟
يؤكد عبد الرحيم أن حفظ الأدلة ليس بالضرورة مسؤولية المؤسسات الحكومية وحدها، وأن المنظمات الحقوقية والمدنية يمكنها إنشاء أرشيفات قابلة للاستخدام في عمليات المساءلة المستقبلية، شريطة الالتزام بمعايير واضحة في جمع المواد وحفظها والتحقق منها وحماية البيانات الحساسة.
ويرى أن الأرشيفات الموجودة خارج السودان قد تلعب دوراً مهماً في حماية المواد من التدمير أو المصادرة داخل مناطق النزاع، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى بناء منظومة سودانية مستقلة قادرة على إدارة هذه الذاكرة مستقبلاً.
ويشير عبد الرحيم إلى أن المواطن الذي يحتفظ بصور أو وثائق عن الانتهاكات قد يواجه مخاطر أمنية مباشرة، خصوصاً عند نقاط التفتيش أو أثناء عمليات التفتيش والمداهمة. ولهذا يرى أن أي نظام مستقبلي لحفظ الأدلة يجب ألا يحول الضحايا والشهود إلى حَمَلة لأدلة معرضين للخطر. ويقول إن حماية الهوية والبيانات الشخصية يجب أن تكون جزءاً أساسياً من عملية الأرشفة، وليس إجراءً ثانوياً يأتي بعد جمع المواد.
ماذا سيبقى بعد عشر سنوات؟
يقول عبد الرحيم إن الخطر الأكبر هو أن نجد أنفسنا أمام ملايين الصور ومقاطع الفيديو التي شاهدها الناس أثناء الحرب، لكن من دون القدرة على إثبات أصل بعضها أو سياقها أو طريقة الحصول عليها.
ويخشى كذلك فقدان السجلات المدنية والعقارية والقضائية، لأن آثار ذلك لن تتوقف عند المساءلة الجنائية، بل ستصل إلى حياة الناجين والنازحين وأسر المفقودين وأصحاب الممتلكات.
ويطرح لذلك تصوراً لإنشاء بنك بيانات وطني محصن ومشفر للأدلة، تديره جهات حقوقية سودانية مستقلة بالتعاون مع خبرات دولية، بحيث يمكن حفظ المواد الأصلية وحماية بيانات أصحابها.
ويخلص عبد الرحيم إلى أن المعركة الحقيقية ليست فقط لإنقاذ الأدلة من المحو، وإنما لإنقاذ قدرتنا المستقبلية على فهمها والتحقق منها واستخدامها في العدالة. فإذا كانت الحرب قد أنتجت كماً هائلاً من الصور والشهادات والوثائق، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودان الآن ليس فقط: كم دليلاً جمعنا؟ وإنما: هل نبني اليوم المنظومة التي ستجعل هذه الأدلة قابلة للاستخدام عندما يأتي وقت العدالة؟