الحلقة الثامنة: حين لا يدفع الجميع الثمن نفسه
ذاكرة المستقبل : وحيد دفع الله
هذه رواية أدبية تستند إلى حقائق علمية وتاريخية وجغرافية حقيقية. الشخصيات والحوار والحبكة من نسيج الخيال، أما الأحداث التاريخية والعلمية والجغرافية فتستند إلى الواقع.
كان السؤال الذي تركته إستيلا على الطاولة في نهاية اجتماعهم السابق لا يزال معهم، رغم أن الاجتماع انتهى منذ ساعات:
"من يعيد للإنسان حياته بعد أن تنتهي الكارثة؟"
لم يكن السؤال جديدًا على إستيلا، لكنه كان جديدًا على أصدقائها بالطريقة التي طرحته بها. كانوا قد أمضوا سنوات يتعلمون كيف يعمل المناخ، وكيف ترتفع درجات الحرارة، وكيف تتغير أنماط الأمطار، وكيف تتفاوض الدول في المؤتمرات. عرفوا التخفيف والتكيف، وقرأوا عن اتفاق باريس، وعرفوا أن العالم يحاول الحد من ارتفاع الحرارة. لكنهم اكتشفوا أن هناك منطقة رمادية بين ما يمكن تجنبه وما يمكن التكيف معه، وبين ما يمكن إصلاحه وما يختفي إلى الأبد.
كانت سلمى أول من كسر الصمت، فقالت: «ربما علينا أن نفهم معنى الخسارة قبل أن نتحدث عن التعويض.»
رفع سامر عينيه عن الأوراق: «كيف؟»
قالت: «الأرض التي تتدهور يمكن أحيانًا استصلاحها. البيت الذي ينهار يمكن إعادة بنائه. المحصول الذي يفشل يمكن زراعته مرة أخرى. لكن ماذا عن شيء لا يمكن إعادته؟»
سأل ليو: «مثل ماذا؟»
أجابت: «مقبرة عائلة جرفها الفيضان. نوع من النباتات اختفى. مكان عاش فيه الناس أجيالًا واضطروا إلى تركه. معرفة محلية لم تعد تنتقل إلى الجيل التالي.»
كانت مريم تنظر إلى البحر في صورة أمامها، وقالت: «أو شاطئ يتراجع حتى تختفي معه الأماكن التي عرفها الناس طوال حياتهم.»
لم يرد أحد؛ فقد دخلوا منطقة جديدة من النقاش.
لم يعد السؤال فقط: كيف نمنع تغير المناخ؟ بل أصبح أيضًا: ماذا نفعل عندما يحدث الضرر بالفعل؟
في عام 2018، كانت أعمارهم بين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة، وكانت سنوات المدرسة التي جمعتهم في جوبا قد أصبحت جزءًا من ذاكرتهم. اقترب بعضهم من نهاية الجامعة، وبدأ بعضهم أولى خطواته العملية، لكنهم كانوا لا يزالون يحتفظون بعادة قديمة: عندما يظهر سؤال كبير، يجتمعون.
وفي ذلك العام، لم تكن أخبار المناخ تمنحهم وقتًا طويلًا للهدوء.
في جنوب أفريقيا، كانت كيب تاون قد خرجت لتوها من أزمة مائية جعلت عبارة «اليوم صفر» جزءًا من حديث الناس. كان الجفاف الذي امتد بين 2015 و2018 قد وضع مدينة كبيرة أمام احتمال أن تتعرض إمدادات المياه لضغط شديد. ولم يكن الجفاف وحده هو القصة؛ فقد أظهرت التجربة أهمية الإدارة والتخطيط والبنية التحتية والعدالة في توزيع المياه. وتشير تقييمات علمية لاحقة إلى أن تغير المناخ البشري جعل ظروف الجفاف التي أسهمت في الأزمة أكثر احتمالًا بنحو ثلاثة أضعاف.
كانت مريم قد أرسلت الخبر إلى المجموعة، وكتبت: «مدينة كبيرة يمكن أن تخاف من نفاد الماء.»
قرأ سامر الرسالة أكثر من مرة، ثم كتب: «إذن المشكلة ليست أن أفريقيا بلا ماء فقط.»
ردت سلمى: «ولا أن كل جفاف سببه تغير المناخ.» ثم أضافت: «المشكلة أن تغير المناخ يمكن أن يزيد الضغط على أنظمة تعاني أصلًا من مشكلات أخرى.»
قال ليو: «وهنا تبدأ العدالة.»
كانت الكلمة قد ظهرت مرة أخرى، لكنهم لم يعرفوا بعد كم ستكون هذه الكلمة ثقيلة.
في نهاية عام 2018، كانوا يتابعون أخبار مؤتمر المناخ في كاتوفيتسه ببولندا. كانت الدول تتفاوض حول كيفية تنفيذ اتفاق باريس، بينما كانت خارج القاعات أسئلة أكثر قسوة تتعلق بما يحدث على الأرض.
قال سامر: «كل هذه الكلمات عن التنفيذ.» قالت مريم: «لأن الاتفاق وحده لا يكفي.» سأل ليو: «وماذا يحتاج؟» أجابت سلمى: «إرادة ومال وتقنية وتعاون.» ثم قالت إستيلا: «ووقت.»
التفتوا إليها، فقالت: «المشكلة أن بعض الناس لا يملكون الوقت الكافي لانتظار العالم.»
لم تكن تقصد المفاوضات وحدها، بل كانت تفكر في الناس الذين يعيشون أزمة اليوم، بينما تحتاج بعض حلول المناخ إلى سنوات حتى تظهر نتائجها.
وفي تلك الليلة، عادوا إلى السؤال نفسه: من يملك المال للتكيف؟ من يستطيع بناء سد؟ من يستطيع حفر بئر جديدة؟ من يستطيع شراء تأمين؟ من يستطيع نقل منزله من منطقة معرضة للفيضان؟ ومن لا يستطيع؟
لم يكن جواب هذه الأسئلة متساويًا بين الناس، ولم يكن متساويًا بين الدول أيضًا.
ثم جاء عام 2019.
في مارس، تغيرت نبرة الأخبار، وظهر اسم جديد أمامهم: إيداي.
كان إعصارًا مداريًا شديدًا ضرب موزمبيق ثم أثر على مالاوي وزيمبابوي. جاءت الأمطار الغزيرة والفيضانات، ودمرت المياه طرقًا وجسورًا ومنازل ومرافق أساسية، واضطر عدد كبير من الناس إلى ترك أماكنهم. كانت المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والطاقة من بين المرافق المتضررة، وأصبحت عمليات الإنقاذ والإغاثة نفسها أكثر صعوبة بسبب حجم الدمار. وقد وثق التقييم العلمي لاحقًا الخسائر الكبيرة التي سببتها الكارثة في المنطقة.
كانت إستيلا في مكتبها عندما وصلتها الأخبار. لم تكن الصور هي ما شد انتباهها، بل كان الصوت؛ صوت أحد العاملين في مجال الإغاثة وهو يتحدث عن أشخاص فقدوا منازلهم، وعن أسر تبحث عن أقاربها، وعن مناطق لا يمكن الوصول إليها بسهولة.
أغلقت إستيلا الملف، وقالت لزميلتها: «كم عدد الأشخاص الذين فقدوا بيوتهم؟» أجابت زميلتها برقم. قالت إستيلا: «وماذا عن الذين لم يفقدوا بيوتهم لكنهم فقدوا مصدر رزقهم؟» سكتت زميلتها، ثم سألت: «ماذا تقصدين؟» قالت إستيلا: «إذا كان بيتك ما زال قائمًا، لكن الأرض التي كنت تزرعها ذهبت، هل أنت بخير؟» لم تجبها المرأة. قالت إستيلا: «وإذا بقي البيت والأرض، لكن المدرسة دمرت؟» ثم تابعت: «وإذا بقي كل شيء، لكن شخصًا من عائلتك مات؟»
كان صوتها هادئًا، لكنه لم يكن يحتمل الإجابة السهلة. في تلك اللحظة فهمت إستيلا أن كلمة "الخسائر والأضرار" لا تعني فقط المباني المهدمة؛ فهناك خسائر يمكن حسابها، وهناك خسائر لا يستطيع الرقم وحده أن يحملها.
عندما اجتمع الخمسة بعد أيام، وضعت إستيلا على الطاولة مجموعة من الأوراق. قال سامر: «إيداي؟» أومأت وقالت: «نعم.» ثم أضافت: «أريد أن أسألكم شيئًا.» نظر إليها الأربعة: «هل كل ما حدث هناك يمكن منعه؟»
قال سامر: «ربما لو كانت البنية التحتية أفضل...» قاطعته مريم بهدوء: «ليس كل شيء.» قال ليو: «وحتى لو خففنا الخطر، قد تبقى خسائر.» أضافت سلمى: «خصوصًا عندما تتجاوز قدرة المجتمع على التكيف.»
قالت إستيلا: «إذن نحن بحاجة إلى كلمة أخرى.» قال سامر: «الخسارة والضرر.»
أومأت، ثم قالت: «لكنني لا أريد أن تصبح الكلمة مجرد صندوق مالي.» سألها ليو: «لماذا؟» قالت: «لأن بعض الأشياء لا تُشترى.»
كانوا يعرفون ما تقصده: الثقافة، المكان، الذاكرة، الحياة، الأرض التي عاش فيها الناس أجيالًا، والروابط التي تتشكل بين الإنسان ومكانه.
في إحدى الأمسيات، كانت مريم تتحدث مع والدها عن بورتسودان. سألته: «هل تتذكر الشاطئ الذي كنت تأخذني إليه وأنا صغيرة؟» قال: «بالطبع.» قالت: «لو تغير المكان كثيرًا، هل سيظل هو نفسه؟» ضحك والدها: «المكان هو المكان.» لكن مريم لم تضحك، وقالت: «ليس دائمًا.»
ثم شرحت له أن المكان بالنسبة للإنسان ليس إحداثيات على الخريطة فقط، بل إنه ذاكرة وروائح وأصوات وأشخاص وأعمال وأعياد وقصص. قالت: «إذا تغير الساحل، لا نخسر الرمل فقط.»
نظر إليها والدها طويلًا. ولأول مرة فهمت مريم أن العلم الذي تدرسه يمكن أن يقترب من أشياء لا تستطيع المعادلات وحدها التعبير عنها.
وفي الأبيض، كانت سلمى تتحدث مع أسرتها عن الأرض، وكان الحديث هذه المرة عن المراعي. قال أحد أفراد الأسرة: «الأرض كانت أفضل في سنوات سابقة.» سألت سلمى: «هل المطر كان أكثر؟» قال: «ليس دائمًا.» «إذن ماذا تغير؟»
بدأ النقاش: المطر، الحرارة، استخدام الأرض، الرعي، الضغط على الموارد، تغير المواسم، الاقتصاد، الناس.
كتبت سلمى ملاحظاتها، ثم أدركت أن هذه هي المشكلة نفسها التي كانوا يناقشونها منذ سنوات: لا يوجد سبب واحد لكل شيء. تغير المناخ قد يزيد المخاطر، لكنه يعمل داخل مجتمع له تاريخه واقتصاده وموارده ومشكلاته. ولهذا فإن العدالة المناخية لا تعني فقط النظر إلى كمية الانبعاثات، بل تعني أيضًا النظر إلى القدرة على الاستجابة، ومن يتأثر، ومن يملك الموارد، ومن يملك صوتًا في اتخاذ القرار.
أما ليو، فقد كان يعيش صراعًا مختلفًا. في الأخبار القادمة من الأمازون، كانت الحرائق وإزالة الغابات تعيدان السؤال الذي طالما سمعه: «هل الغابة جزء من حل أزمة المناخ أم ضحية لها؟»
كان يعرف أن الغابات تمتص الكربون وتخزنه، لكنه كان يعرف أيضًا أن الغابة نظام بيئي كامل، وأن فقدانها يعني خسارة التنوع البيولوجي والماء والتربة وسبل العيش والخدمات البيية، وليس مجرد خسارة كمية من الكربون.
كتب في دفتره: "الغابة ليست آلة لامتصاص الكربون... إنها حياة."
عندما قرأ سامر العبارة، قال: «إستيلا ستعجبها.» ضحك ليو: «لماذا؟» قال سامر: «لأنها ستقول إننا بدأنا نفهم.»
في تلك الفترة، كانت إستيلا قد أصبحت أكثر اهتمامًا بالعلاقة بين المناخ والعمل الإنساني. كانت ترى أن الاستجابة للكوارث تبدأ قبل الكارثة، وأن التخطيط والإنذار المبكر والبنية التحتية والحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية يمكن أن تقلل الخسائر. وكانت تعرف أيضًا أن العمل الإنساني لا يستطيع وحده أن يحل مشكلة تغير المناخ.
قالت ذات مرة لأصدقائها: «لا يمكننا أن ننتظر الفيضان ثم نسأل لماذا لم يكن المجتمع مستعدًا.» قال سامر: «لكن الاستعداد يحتاج إلى موارد.» قالت: «وهذا هو السؤال السياسي.» سألها ليو: «أي سؤال؟» قالت: «من يقرر أين تذهب الموارد؟»
لم يكن سؤالًا عن المال فقط، بل كان سؤالًا عن الأولويات: هل نبني طريقًا في منطقة معرضة للفيضانات؟ هل نستثمر في نظام إنذار مبكر؟ هل نحمي مصدر مياه؟ هل ندعم المزارعين؟ هل نعيد بناء ما دمرته الكارثة بالطريقة نفسها، أم نبنيه بطريقة أكثر قدرة على الصمود؟
كل قرار من هذه القرارات كان يعني شيئًا واحدًا بالنسبة إلى إستيلا: أن التكيف ليس مشروعًا تقنيًا فقط؛ إنه اختيار اجتماعي وسياسي.
وفي نهاية ذلك العام، جلس الخمسة مرة أخرى. لم تكن أمامهم هذه المرة خريطة واحدة، بل كانت أمامهم خرائط كثيرة: خريطة للفيضانات، خريطة للجفاف، خريطة للسكان، خريطة للفقر، خريطة للزراعة، خريطة للسواحل، وخريطة أخيرة للانبعاثات.
نظر سامر إليها جميعًا وقال: «الآن فهمت.» سألته مريم: «ماذا فهمت؟» قال: «الخريطة الأخيرة لا تفسر وحدها الخريطة الأولى.»
ابتسمت سلمى. قال ليو: «لأن الانبعاثات ليست هي الخطر وحده.» وأضافت إستيلا: «والخطر ليس هو الكارثة وحده.» قال سامر: «والكارثة ليست هي الخسارة كلها.»
ثم ساد الصمت.
لكن إستيلا أضافت شيئًا لم يكن مكتوبًا على أي خريطة، فقالت: «وبين كل هذه الأشياء... يوجد الإنسان.» نظروا إليها، فأردفت بابتسامة: «ولهذا لا يمكن أن نتحدث عن المناخ من دون أن نتحدث عن العدالة.»
في تلك اللحظة، لم يعد الخمسة ينظرون إلى العالم بالطريقة التي كانوا ينظرون بها إليه عندما كانوا أطفالًا. لقد بدأوا يفهمون أن المناخ لا يغير الحرارة والمطر فقط، بل يستطيع أن يغير الفرص: من يملك فرصة للنجاة، ومن يملك فرصة للتكيف، ومن يستطيع أن يعيد بناء حياته، ومن قد لا يستطيع.
وكان السؤال التالي ينتظرهم في مكان آخر من العالم، داخل قاعات أكبر، وبين دول تحمل مصالح مختلفة:إذا كان العالم يعرف المشكلة، وإذا كانت الأدلة العلمية واضحة، وإذا كانت الخسائر تتزايد، فلماذا ما زال الاتفاق على من يدفع ثمنها بهذه الصعوبة؟
رفع ليو الخريطة وقال: «أعتقد أن علينا أن نذهب إلى هناك.» سأل سامر: «إلى أين؟» قال ليو: «إلى المكان الذي يتحدث فيه العالم عن العدالة.» ابتسمت مريم وقالت: «إلى مؤتمر المناخ.»
أما إستيلا فوضعت يدها على الورقة الأخيرة، وقالت: «هذه المرة، لن نذهب لنتعلم فقط... سنذهب لنسأل.»