في الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تحمل فتيات السودان حقائبهن المدرسية بحثاً عن مستقبل واعد، أفرزت حرب أبريل 2023 واقعاً قسرياً مغايراً، صارت فيه الطفلة أُمّاً قبل أوانها. بين ليلة وضحاها، عصفت آلة الحرب بأحلام جيل كامل، وتحولت الملاجئ ومناطق النزوح إلى ساحات لـ "صفقات حماية" مؤجلة، دُفعت أثمانها من طفولة فتيات قاصرات.
في هذا التقرير، نفتح ملف "زواج القاصرات" في السودان تحت ظلال الحرب؛ حيث تتقاطع قسوة الحاجة، والبحث عن الأمان، والثغرات القانونية، لترسم مأساة فتيات وجدن أنفسهن "معلّقات" بين طفولة مسلوبة ومستقبل مجهول.
الحاج يوسف: طفولة في مهبّ النزاع
تبدأ فصول المأساة من زقاق ضيق في حي "الحاج يوسف" شرقي الخرطوم، حيث تحاول فتاة لا تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها أن توازن بين دورين لم تتوقع يومًا أن يتقاطعا في حياتها: أم لرضيع، وبائعة "طعمية" تكافح مع والدتها لتأمين مصاريف البيت. قبل اندلاع الحرب، كانت حياتها تسير بشكل مختلف؛ كانت طالبة في المرحلة الثانوية تنتظر بشغف استئناف دراستها، لكن مع بدء القتال في أبريل 2023، انهار كل شيء.
تروي الفتاة، التي فضلت حجب اسمها لحماية سلامتها، في مقابلة مع " ذاكرة المستقبل" أن معظم جيرانهم غادروا الحي مع بداية المعارك، بينما بقيت هي ووالدتها وحدهما تقريبًا تواجهان المصير المجهول. في ظل تلك الأوضاع المضطربة، استغل بعض الأشخاص الموقف وتحدثوا مع والدتها عن "الزواج" كوسيلة للحماية وتأمين العون الاجتماعي. تقول الفتاة مسترجعةً ما قيل لها حينها: "نحن ما عندنا أحد، وبرانا أنا وأمي... قالوا إننا بحاجة إلى شخص يحمينا ويعيلنا ." وتضيف بنبرة مكسورة: "كلموني فقط... لم يكن هناك خيار آخر."
في بداية عام 2024، أُبرم الزواج بعقد رسمي لدى المأذون؛ كان الزوج يبلغ من العمر حوالي 35 عامًا، ودفع مهرًا قدره مليونا جنيه سوداني بالإضافة إلى بعض قطع الذهب. لكن الفصول الاستقرار المفترضة لم تدم طويلًا، إذ اختفى الزوج تمامًا بعد فترة وجيزة. توضح الفتاة أن آخر لقاء جمعه بها كان قبيل انضمامه إلى جبهات القتال، وخروجه مع قوات الدعم السريع من الخرطوم، ومنذ ذلك الحين انقطع التواصل معه بشكل كامل، ولا يوجد حاليًا أي خط اتصال معه.
اليوم، تعيش الطفلة في الحي نفسه مع والدتها وطفلها الصغير، وتعملان معًا في بيع "الطعمية" لتأمين قوت يومهما، بعد أن غدت مسؤولية الرضيع جزءًا أصيلًا من واقعها اليومي. تصف واقعها ببساطة قاسية: "الحياة أصبحت أصعب مما كانت عليه قبل الزواج". فبينما كانت تكافح مع والدتها لتدبير أمورهما بصعوبة في السابق، أصبحت اليوم مسؤولة بشكل كامل عن تربية طفل ورعايته في ظل ظروف اقتصادية وأمنية معقدة للغاية.
تحاول الفتاة قانونيًا العثور على مخرج من هذا الوضع المأزوم؛ حيث أخبرها أحد المحامين أن بإمكانها طلب الطلاق بسبب غياب الزوج واختفائه، إلا أن الإجراءات القضائية تتطلب وقتًا وتكاليف مالية لا قدرة لها على تحملها الآن. تركز الفتاة حاليًا كل جهودها على طفلها، مخرجةً التعليم من حساباتها وأولوياتها، إذ يستغرقها التفكير والقلق الفياض بما سيواجهه طفلها عندما يكبر في مجتمع قد لا يرحم قصتها. ورغم كل المرارة، تتحدث بهدوء شديد عن حياتها مقارنة بالفتيات اللواتي في مثل عمرها، ملخصةً وضعها بعبارة: "الحمد لله... ده قدري".
اعترافات وإحصاءات مقلقة
أظهرت التقارير الأممية الموثقة ازدياداً حاداً وخطيرًا في معدلات زواج الفتيات دون سن الـ18 عقب اندلاع الحرب. وفي هذا السياق، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في تقرير صادم صدر في يوليو 2025، بأن نسبة زواج القاصرات بلغت 34% من إجمالي الفتيات المتزوجات حديثاً في البلاد، مشيراً إلى أن 12% منهن تزوجن قبل بلوغ سن الخامسة عشرة. وصنف التقرير الأممي "الزواج القسري للمثيلات القاصرات" كشكل صارخ من أشكال العنف الجنساني القائم على النوع الاجتماعي.
وفي زاوية أخرى من هذا الواقع، وداخل ممرات مستشفى مدينة الدامر بولاية نهر النيل، يقف الشاب "عوض الله" منتظرًا خروج طفله الثاني إلى الدنيا. زوجته، التي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها اليوم، تستعد لوضع مولودها، بينما يراقب هو المشهد بهدوء، محاطًا بوالدته ووالدة زوجته اللتين تقدمان لها الدعم داخل غرفة الولادة.
يروي عوض الله في مقابلة مع "ذاكرة المستقبل " أن الحكاية بدأت عقب اندلاع الحرب في الخرطوم، عندما نزحت أسرة الفتاة إلى الدامر واستقرت مع عائلته بداعي صلة القرابة. ومع تطور الأيام، برزت فكرة الزواج، حيث يقول: "أنا أصلاً كنت عايز أتزوج، والأهل اقترحوها لي."
في نوفمبر 2023، تم توثيق الزواج بعقد رسمي لدى المأذون، على الرغم من أن عمر الطفلة لم يكن يتجاوز حينها 13 عاماً. ويكشف عوض الله بوضوح أن المأذون أتم العقد الشرعي بعد تلقيه رسومًا مالية إضافية، كغرامة كون العروس دون السن القانونية المعتمدة. بالنسبة له، لم يكن هذا الارتباط نابعًا من تداعيات الحرب أو الخوف أو طلب الحماية؛ إذ يرى أن الأوضاع في منطقتهم كانت مستقرة، وأنه كان مهيأً ماديًا للزواج، مضيفًا: "الموضوع كان عرس عادي… ما في شي نحميهم منه."
يعمل الشاب حاليًا في قطاع الزراعة، ويصف أحوالهم المعيشية بالمستقرة نسبيًا. لدى الزوجين طفل صغير والآن ينتظران الطفل الثاني. ورغم حداثة سن زوجته، يرى أن نظام الأسرة الممتدة أسهم في مساندتها على التكيف مع أعباء المنزل: "أمي وأمها ساعدوها كثيراً، والحمد لله الآن فاهمة أمور البيت." ويشير إلى أنها كانت تدرس قبل الزواج، مؤكدًا عدم ممانعته عودتها لمقاعد الدراسة إن رغبت، مستدركًا بأنها هي من آثر التوقف عن التعليم بعد ارتباطهما.
وعند سؤاله عن أبعاد تجربته في الارتباط بطفلة صغيرة، أقرّ بأن المسألة ليست يسيرة على الدوام، لكنها تسير بشكل مقبول بفضل الالتفاف الأسري. وفي نصيحته للشباب المقابلين على خطوة مماثلة، يرى أن الأفضل والأسلم أن تكون الفتاة أكبر سنًا وأكثر نضجًا ووعيًا، قائلًا: "لو من الثانوي وفوق بكون أحسن." في الخارج، يستمر ترقب الشاب بينما تخضع زوجته لعملية ولادة قيصرية، متمنيًا وسط القلق أن يكبر أطفاله في ظروف تمكنهم من التعلم وبناء حياة أفضل من تلك التي عاشها جيله.
وفي المقابل، يشير أحد المأذونين الشرعيين بمدينة الدامر، فضّل حجب اسمه، إلى أن إجراءات عقد الزواج تخضع – من الناحية الرسمية – لرقابة قضائية، موضحاً أن «عقد الزواج لا يتم إلا بموافقة صادرة من المحكمة»، في إشارة إلى الدور المفترض للمؤسسة القضائية في التحقق من استيفاء الشروط القانونية، خاصة في حالات الزواج التي تتعلق بقاصرات.
غياب شبكات الحماية والاضطرار الاقتصادي
ترى الناشطة النسوية والحقوقية حواء دهب أن ظاهرة تزويج القاصرات شهدت اتساعًا مخيفًا ولطخات قاتمة منذ اندلاع النزاع، حيث تخطت بؤر القتال الساخنة لتمتد إلى معسكرات النزوح الداخلي ومناطق اللجوء خارج الحدود. وتؤكد دهب بناءً على الملاحظات الميدانية أن الظاهرة تتمدد في المناطق الخاضعة لسيطرة طرفي النزاع المسلح على حد سواء، وكذا في المجتمعات المضيفة للفارين من الجحيم.
وتوضح الناشطة أن هذه الممارسة توغلت عميقًا في مجتمعات اللجوء، حيث رُصدت حالات متكررة لتزويج فتيات صغيرات داخل المخيمات أو وسط الأسر التي لجأت للأقارب. ورغم شح البيانات الرسمية الشاملة، إلا أن المؤشرات المتاحة تدعو للقلق الشديد؛ إذ تشير دهب إلى تصريح صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة في نوفمبر 2025 كشف أن نحو 40% من الفتيات اللواتي تم تزويجهن خلال فترة الحرب لم يبلغن سن الثامنة عشرة.
وتصنف حواء دهب المحرك الاقتصادي كأحد أبرز الدوافع وراء هذا الانتشار؛ فالأسر التي سُحقت مصادر دخلها واضطرت للنزوح القسري باتت تحت وطأة ضغوط معيشية خانقة، ما يدفع الآباء لاعتماد التزويج كآلية لتخفيف الأعباء المادية. وتشرح ذلك بالقول: "في بعض الأحيان يفشل رب الأسرة في تأمين حياة كريمة لبناته، فيلجأ لتزويج الفتاة حتى لو كانت قاصرًا لتقليص حجم الالتزامات الاقتصادية الملقاة على عاتقه."
بيد أن البعد المالي ليس المعزول وحده، فالخوف من الانتهاكات الجسدية يفرض ظله الثقيل، لاسيما في المناطق المعرضة للاضطرابات الأمنية الصارخة. فالعديد من الأسر تفضل إبرام هذه الزيجات على ترك بناتها عرضة لمخاطر الاختطاف، والاعتداء، والعنف الجنسي في ظل غياب الحماية الأمنية الرسمية.
وتشدد دهب على أن الحرب الدائرة قوضت بعنف شبكات الحماية الاجتماعية التلقائية التي كانت تقف حائط صد أمام الزواج المبكر، وفي مقدمتها المنظومة التعليمية. فالمدارس كانت تمثل بيئة آمنة وحاضنة تؤخر سن الزواج، بجانب دورها في رصد حالات العنف أو الإهمال الأسري. وتقول بحسرة: "المدرسة كانت مساحة أمان للطالبات وتحت إشراف معلمين، وكانت تساعد في تقليل احتمال زواج القاصرات، لكن بتدمير المدارس وتعطيل التعليم فقدنا واحدة من أهم شبكات الحماية."
وفي هذا الصدد، حذّرت منظمة اليونيسف والوكالات الأممية المتخصصة من أن انهيار القطاع التعليمي وغياب خدمات الحماية جعل الفتيات فريسة سهلة للإكراه على الزواج المبكر، مؤكدة على ضرورة إدراج استدامة التعليم وحماية الفتيات كأولوية قصوى ضمن الاستجابة الإنسانية العاجلة، مع ابتكار آليات حماية بديلة تتجاوز حلول "الزواج الآني" المفروضة تحت مقصلة الفقر والنزاع.
كما تنبه حواء دهب إلى الانتكاسة التي أصابت منظمات المجتمع المدني المحلية، والتي كانت تقود حملات التوعية والتدخل لحماية القاصرات، حيث شُلت حركتها جراء جفاف التمويل والمهددات الأمنية. وتحذر الناشطة من التداعيات الطبية الوخيمة التي تحدق بالفتيات إثر الحمل المبكر، خصوصًا مع الانهيار المريع للقطاع الصحي؛ فالإنجاب في سن مبكرة يضاعف احتمالات المخاطر الطبية ونسب الوفيات أثناء الولادة لعدم اكتمال النمو الجسدي للفتيات، فضلًا عن الهزات النفسية العنيفة الناتجة عن النقلة الفجائية والمروعة من الطفولة ومقاعد الدرس إلى زلازل المسؤولية الزوجية والأمومة، وما يتبعها من عزلة واكتئاب.
وتوجه دهب رسالة حاسمة للأسر التي تتوهم الستر في هذه الخطوة قائلة: "الزواج ما سترة في زمن الحرب… السترة الحقيقية في التعليم وفي بقاء البنت وسط أهلها حتي تكون جاهزة جسديًا ونفسيًا." وتدعو صناع القرار لاعتبار الملف قضية حماية قصوى وعاجلة لا تحتمل التأجيل الاجتماعي، مطالبةً بخطوات تنفيذية تشمل إتاحة بدائل تعليمية مرنة، وتقديم دعم مالي مباشر للأسر، وتعزيز الأطر القانونية والصحية للفتيات الضحايا.
التشريح القانوني: البيئة التشريعية والثغرات الإجرائية
من المنظور القانوني، تضع المحامية والحقوقية سلوى أبسام يدها على الداء بالتشديد على أن المنظومة التشريعية لزواج القاصرات ترتكز أساسًا على قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991. وهو قانون يفتقر، بحسب وصفها، لتحديد سن أدنى صريح وقاطع للزواج، بل يرهن الأهلية بمسألتي "البلوغ والعقل". وتشير إلى أن المادة (34) من القانون تنص على ثبوت أهلية الزواج بالبلوغ والعقل، مما يشرع الأبواب لتفسيرات واجتهادات مطاطة حيال العمر الملائم للارتباط.
وتوضح سلوى في مقابلة مع "ذاكرة المستقبل " أن المادة (40) من القانون المذكور تعد البؤرة التشريعية الأكثر إثارة للجدل والخطورة؛ إذ تبيح هذه المادة تزويج الفتاة "المميزة" التي بلغت سن العاشرة فقط بواسطة وليها، شريطة الحصول على إذن من القاضي واستيفاء ما يُعرف بـ "المصلحة الراجحة"، بالإضافة لكفاءة الزوج ومهر المثل. وترى أبسام أن الدور القضائي هنا يُفترض به أن يكون رقابيًا صارمًا للتحقق من كفاءة الزوج وأخلاقه ومدى قدرة الطفلة على تحمل أعباء الزواج، "لكن القانون عملياً يسمح بزواج الفتاة ابتداءً من سن العاشرة إذا اعتبر القاضي أن في الزواج مصلحة لها، وهذه من أكثر النقاط التي تثير الجدل القانوني والاجتماعي."
وتلفت المحامية الحقوقية إلى الصلاحيات المطلقة الممنوحة للولي في إبرام العقد؛ إذ تشترط المادة (33) وجود الولي كشرط صحة للزواج في جل الحالات، فيما تحدد المادة (37) التراتبية الهرمية للأولياء المستأثرين بسلطة تزويج الفتاة. هذه السلطة التقديرية الواسعة تسهم، عمليًا، في تغييب الإرادة الحقيقية للفتاة ومصادرة حقها في الاختيار، لاسيما في البيئات الريفية والمناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة.
وفي ذات السياق، تبرز أبسام مفارقة قانونية صارخة وتعارضًا بنيويًا بين قانون الأحوال الشخصية لعام 1991 وقانون الطفل السوداني، الذي يعرّف بصورة قاطعة كل من لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره بأنه طفل، مما يخلق تضاربًا حادًا يعوق جهود الحماية القانونية الشاملة للقاصرات.
وعمقت الحرب الحالية من المأزق الشائك؛ حيث أدى الشلل التام الذي أصاب المحاكم الشرعية في مناطق النزاع الواسعة إلى تفشي الزواج العرفي وغير الموثق رسميًا في ظل غياب الرقابة القضائية الكاملة. وتشرح المحامية أن هذا النمط من الزواج، وإن اعتُبر صحيحاً من الناحية الفقهية والشرعية متى ما استوفى الأركان الأساسية (الإيجاب والقبول، الولي، الشهود، وعدم إسقاط المهر)، إلا أنه يؤسس لتعقيدات قانونية كارثية لاحقًا. وتقول: "الزواج غير المسجل قد يكون صحيحاً شرعاً إذا استوفى أركانه، لكنه يسبب تعقيدات كبيرة عند المطالبة بالحقوق مثل النفقة أو إثبات النسب أو حتى الطلاق"، حيث تضطر المرأة لخوض معارك قضائية شاقة لإثبات الزوجية أولًا قبل المطالبة بأي حق من حقوقها الأساسية.
وتطرقت سلوى أبسام للمسؤولية الجنائية والمدنية للزوج في حالات الهجر أو الاختفاء، مبيّنة أن القانون السوداني ينظم هذه المسائل ضمن نصوص "الغيبة والهجر". فالقانون يلزم الزوج بالنفقة الكاملة، والمسكن، والرعاية فور انعقاد العقد الصحيح بناءً على المادة (69). وفي حال غياب الزوج الطويل، يتيح القانون للمرأة طلب "الطلاق للغيبة" بموجب المادة (139)، أو "الطلاق لعدم الإنفاق" تبعًا للمادة (141) شريطة إثبات الواقعة، كما يمكنها طلب "التفريق للضرر" وفق المادة (162) إذا لحق بها أذى يجعل استمرار العشرة متعذرًا.
غير أن هذه الضمانات القانونية تصطدم بصخرة الواقع المرير وصعوبة التطبيق العملي في مناخ النزوح وتلاشي سلطة إنفاذ القانون والوصول إلى العدالة. هذا الوضع يترك مئات الفتيات في خانة "المرأة المعلّقة"؛ فلا هنّ يتمتعن بحياة زوجية مستقرة، ولا هنّ يملكن حريتهن بالطلاق، ليصبح إثبات الضرر أو حتى إثبات النكاح ضربًا من المستحيل في حال غياب الوثائق الرسمية.
وتحمل المحامية الثغرات القانونية لقانون 1991 في ثلاثة محاور رئيسية: غياب الحد الأدنى الواضح لسن الزواج، الصلاحيات الواسعة للأولياء، والاعتراف الضمني بالزيجات غير الموثقة. ويتفاقم هذا المشهد هشاشة مع صعوبة وصول النساء للقضاء في الأرياف والمخيمات، وتحديداً في حالات زواج المقاتلين الذين يختفون أو يُقتلون دون ترك أي أثر قانوني، مما يجعل حتى مسألة إثبات نسب الأطفال معضلة كبرى، لاسيما وأن تقنيات البصمة الوراثية (DNA) لا تزال تواجه قيودًا في اعتمادها الكامل لإثبات النسب بالقضاء السوداني.
في ظل هذه التعقيدات القانونية والواقع القاسي الذي فرضته الحرب والنزوح، تظل قضية زواج القاصرات في السودان ملفًا إنسانيًا وحقوقيًا مفتوحًا على مصراعيه، تتشابك فيه العوامل المعيشية بالقصور التشريعي وغياب الرقابة القضائية. إن تحول الطفولة إلى سلعة أمان مؤقتة يضع المجتمع والمنظمات الحقوقية أمام مسؤولية تاريخية تتطلب مراجعة جذرية وعاجلة للثغرات القانونية، وابتكار آليات حماية حقيقية تضمن للفتيات والأطفال حقوقهم الأساسية في مجتمع مزقته الحروب وأعادت صياغة توازناته الاجتماعية بعنف.
حقوق انسان
بين أزيز الرصاص وأثقال المسؤولية: طفولة سودانية تُزفّ إلى المجهول