ملف خاص: التعليم في السودان.. من أزمة الحرب إلى خطر الانهيار طويل المدى "1"
ذاكرة المستقبل: غفران حامد
لم يندلع التحوّل الفاجع الذي يعصف بقطاع التعليم في السودان مع إطلاق الرصاصة الأولى في منتصف أبريل 2023م فحسب، بل تشكّل كذروة حتمية لمسار ممتد من التداعي الهيكلي، والتدهور الاقتصادي، والتجاذبات السياسية والإيديولوجية المتواصلة عبر العقود. إن ما يشهده السودان اليوم يتجاوز حدود التعطيل المؤقت للفصول الدراسية أو التأجيل الاضطراري لجداول الامتحانات القومية؛ إنه عملية تجريف شاملة وممنهجة للرصيد البشري المعرفي، تهدد بإنتاج "جيل مفقود" وإدخال الدولة في ظلام أمية ممتدة تعقّد فرص التعافي الاجتماعي والاقتصادي لعقود قادمة.
لقد تحوّلت المؤسسات التعليمية من أدوات لبناء المستقبل وروافع للتنمية الوطنية إلى ضحايا مباشرين للنزاع المسلح؛ حيث قُذف بملايين الأطفال خارج أسوار المدارس، وتعرّضت آلاف المرافق التعليمية للقصف والنهب والتخريب، بينما أُجبرت المنظومة برمتها على التراجع أمام منطق السلاح ومتاهات النزوح القسري.
إن تفكيك المشهد التعليمي الراهن يتطلب قراءة متأنية للتحولات السلوكية والبيئية التي طرأت على المدرسة بوصفها مؤسسة اجتماعية. فالمدرسة في التقاليد السودانية لم تكن مجرد جدران لتلقين المناهج الأكاديمية، بل كانت تُشكّل النواة الصلبة للبناء الأخلاقي، والملجأ الآمن للتنشئة، والمساحة المدنية الوحيدة التي تذوب فيها الفوارق الطبقية والجهوية. ومع اندلاع الحرب وتمددها في الولايات، تعرضت هذه المساحة للتفتيت المباشر؛ حيث أدى اختراق السلاح للمجال العام إلى تجريف الرمزية المعنوية للمؤسسة التعليمية، وتحويلها في كثير من الأحيان إلى نقاط تماس عسكري أو مسار للتجاذبات السلطوية، مما أطاح بأمن الطفل وحقه الطبيعي في التعلم والسلامة.
حادثة كرري.. شواهد استباحة الحرم المدرسي وعسكرة المجال العام
تتجلى أبعاد الأزمة الميدانية وتجلياتها السلوكية والأمنية في حادثة فارقة تُجسّد استشراء ظاهرة «عسكرة الحياة العامة» وتآكل سيادة القانون داخل الفضاء المدني؛ حيث شهدت مدرسة التدريب النموذجية بنين بالحارة الثالثة بمحلية كرري اعتداءً سافراً اتهمت فيه أوساط نقابية وتربوية ضابطاً متقاعداً برتبة لواء ومعتمداً سابقاً للمحلية بالاعتداء الجسدي واللفظي وإشهار السلاح الناري في وجه معلم على مرأى ومسمع من التلاميذ والأسرة التعليمية.
وفقاً للتفاصيل الميدانية التي وثّقتها لجنة المعلمين السودانيين، بدأت الواقعة إثر توجيه تربوي واحتواء مسلكي اعتيادي أصدره أحد المعلمين لتلميذ داخل الفصل الدراسي، ليقوم التلميذ بإحضار والده (الضابط المتقاعد والمسؤول الحكومي السابق)، والذي اقتحم المنشأة التعليمية باحةً وفصولاً، موجهاً إهانات متتالية للمعلم قبل أن يقدم على صفعه أمام طلابه. ولم تقف الواقعة عند حدود الاعتداء الجسدي، بل قام المعتدي بإشهار سلاحه الناري الشخصي بشكل مباشر، مهدداً كل من يحاول التدخل أو الاعتراض من الكادر التدريسي، ومردداً عبارات حاطة بالكرامة الإنسانية والمهنية للأسرة التعليمية بأسرها.
أثارت هذه السابقة موجة إدانة واستنكار واسعة من قبل النقابة العامة لعمال التعليم العام ولجنة المعلمين السودانيين، اللتين اعتبرتا الحادثة مساساً خطيراً وغير مقبول بحرمة المؤسسات التعليمية وتدميراً منهجياً لهيبة المعلم وسلطته التربوية المعنوية. وأكدت اللجنة في بياناتها الصحفية الصادرة عقب الحادثة، أن استخدام السلاح الفردي والنفوذ السلطوي لحسم الخلافات التربوية البسيطة ينزع عن المدارس صفة المساحات الآمنة، ويُعرّض البيئة التعليمية وسلامة الأطفال النفسية والجسدية لخطر الموت المباشر والتدمير السلوكي الممتد.
وشددت المؤسسات النقابية على أن الصفات العسكرية والمسؤوليات الحكومية السابقة لا يمكن أن تُشكّل، تحت أي ظرف من الظروف، مصدراً للحصانة المطلقة أو مبرراً للإفلات من العقاب والاعتداء على المدنيين داخل حرم المؤسسات التعليمية. وطالبت لجنة المعلمين والنقابة العامة بفتح تحقيق جنائي وإداري عاجل ومستقل، ومحاسبة المعتدي قانونياً وفق مواد التهديد بالسلاح والاعتداء أثناء أداء الواجب، مع فرض حظر صارم على دخول الأسلحة لكافة المؤسسات التعليمية والمرافق الخدمية، وإعلاء سلطة القانون والمواطنة المتساوية على سطوة الرتبة ورصاص النفوذ.
إن حادثة مدرسة التدريب النموذجية بكرري ليست مجرد شجار عابر بين ولي أمر ومعلم، بل هي تعبير صارخ عن التحول السلوكي الناتج عن تطبيع العنف في الفضاء العام. عندما يرى الطفل والده أو مسؤولاً سابقاً يحسم نقاشاً تربوياً عبر الصفع وإشهار الرصاص، فإن مفهوم السلطة الأخلاقية ينكسر في وعيه المبتدئ، ليحل محله منطق القوة المجردة. هذا الانكسار يمتد إلى بقية التلاميذ الذين شاهدوا معلمهم -وهو رمز الأمان والقدوة- عاجزاً وأعزلاً أمام طغيان السلاح، مما يزرع في نفوسهم شعوراً بالهوان والاضطراب، أو يدفعهم نحو تمثل سلوك العنف باعتباره الوسيلة الوحيدة لنيل الحقوق وحماية الذات.
التحرك الأممي وديناميكيات مجلس الأمن (صيغة أريا)
وعلى الصعيد الدولي، حذّرت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، أمينة محمد، من أن مستقبل أطفال السودان يواجه تهديداً وجودياً غير مسبوق، مشيرة إلى أن حرمات الحرب الجارية لم تقف عند تدمير البنية التحتية، بل طالت الحق الأساسي في الحياة والتعليم، مما يدفع البلاد نحو هاوية السقوط الحاد وتفريغ المجتمع من طاقاته المستقبلية.
وأوضحت المسؤولة الدولية خلال اجتماع رفيع المستوى لأعضاء مجلس الأمن وفق "صيغة أريا" عُقد بنيويورك تحت عنوان «حماية التعليم في السودان: الاستثمار في السلام والتعافي والاستقرار»، بدعوة من جمهورية الصومال ومشاركة الكونغو الديمقراطية وليبيريا، وبحضور قيادات أممية ودولية بارزة، أن النزاع المسلح أسفر عن حرمان ما لا يقل عن 8 ملايين طفل في سن الدراسة من التعليم الشامل، مع تضرر فادح طال ملايين النازحين والأطفال الذين فروا برفقة عائلاتهم بحثاً عن الأمان عبر الحدود الإقليمية إلى دول الجوار.
وسلّطت التقارير الأممية الموثقة الضوء على الانتهاكات الممنهجة ضد المنشآت المدرسية؛ حيث تم توثيق أكثر من 67 هجوماً مباشراً على المدارس في مختلف الولايات السودانية، إلى جانب تسجيل أكثر من 154 حالة استخدام عسكري للمباني التعليمية وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، ومخازن للأسلحة، ونقاط إمداد وتمركز، مما يُعد خرقاً صريحاً للمواثيق الدولية وعلى رأسها إعلان المدارس الآمنة والقانون الدولي الإنساني الذي يحمي الأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة.
ورغم نجاح الأمم المتحدة وشركائها الدوليين والمحليين في إعادة نحو مليون طفل إلى مسارات تعليمية بديلة وبرامج التعلم الطارئ في بعض المناطق الآمنة، أكدت نائبة الأمين العام أن هذه الجهود تصطدم بحجم الكارثة الميدانية لاتساع الفجوة وتزايد أعداد الفارين من مناطق الاشتباكات. وجددت الأمم المتحدة دعوتها الختامية إلى ضرورة الوقف الفوري والشامل لإطلاق النار، مشددة على أن إنهاء الحرب هو السبيل الوحيد لاستعادة الحق في الحياة والتعليم لحماية المستقبل الاجتماعي والإنساني للبلاد.
وفي السياق ذاته، طالبت لجنة المعلمين السودانيين المجتمعين الدولي والإقليمي بتحويل التوصيات والمواقف الصادرة عن مجلس الأمن إلى إجراءات عملية وآليات متابعة ومساءلة تُنهي استهداف القطاع التعليمي في البلاد، معتبرة أن نقل القضية إلى المحافل الدولية يُشكل خطوة تحولية تضع التعليم داخل أطر الحقوق وحماية المدنيين.
وأوضحت اللجنة، في تصريح صحفي صادر في الثامن من أغسطس 2026م، أن ما طُرح في أروقة الأمم المتحدة يعكس تماماً ما ظلت تنادي به عبر بياناتها وحراكها الميداني منذ بزوغ شرارة الحرب الأولى، مؤكدة أن تداعيات النزاع تتجاوز مجرد فقدان عام دراسي أو تأخر خريجين، لتطال جيلاً كاملاً بات يواجه خطر الضياع، وتوسع الفاقد التعليمي، والتجنيد القسري من قبل الأطراف المتصارعة، والوقوع في مصيدة عمالة الأطفال الشاقة، والزواج المبكر للفتيات، ومختلف أشكال العنف والاتجار بالبشر.
تفكك المنظومة الإدارية ومحدودية التعليم البديل
من جانبه، يرسم مدير تعليم محلية الخرطوم الأسبق، الأستاذ عبد الرحمن محمد عبد الله، صورة دقيقة ومفصلة لآليات تفكك المنظومة التربوية، مؤكداً أن قطاع التعليم انتقل من أزمة هيكلية مزمنة -كانت تتمثل في ضعف الميزانيات وتدهور البيئة المدرسية قبل الحرب- إلى حالة تعطل شبه كامل للعملية التعليمية برمتها.
ويرى عبد الرحمن أن الأزمة الراهنة طالت العصب الإداري والتربوي للدولة؛ حيث أدى النهب والقصف المباشر إلى تدمير السجلات الأكاديمية التاريخية، وفقدان بيانات الطلاب والشهادات القومية، وتشتت الكوادر الإدارية والتفتيش التربوي بين مناطق النزوح واللجوء. وأوضح أن الإدارة التعليمية باتت عاجزة عن التخطيط أو التنسيق أو إعداد الجداول الدراسية في ظل التشظي الجغرافي للبلاد والانقسام السياسي والإداري القائم.
وفي تعليقه على محاولات اعتماد التكنولوجيا لإنقاذ العام الدراسي، لفت عبد الرحمن إلى أن وسائل التعليم البديل عبر المنصات الرقمية والتلفزيونية أثبتت محدوديتها الشديدة وفشلها الهيكلي في البيئة السودانية. ويعود ذلك إلى الانقطاع المستمر والكامل للتيار الكهربائي وشبكات الاتصالات والإنترنت في معظم الولايات، إلى جانب ارتفاع تكاليف شراء الأجهزة الذكية وتوفير شرائح البيانات للأسر المنهكة اقتصادياً.
وأدى هذا العجز عن إيجاد البدائل إلى اتساع الفجوة التعليمية بين أبناء الطبقات الميسورة أو المقيمين في دول اللجوء الخارجي من جهة، والغالبية العظمى من أطفال الداخل والنازحين في المخيمات من جهة أخرى. ويحذر عبد الرحمن من أن هذا التفاوت يكرّس عدم المساواة الاجتماعية، ويتسبب في تراجع خطير للمهارات التأسيسية كالقراءة والكتابة والحساب لدى الأطفال في المراحل الأولى، مما يعني أن العودة إلى المدارس -متى انتهت الحرب- ستصطدم بأميّة وظيفية واسعة بين الطلاب تتطلب برامج معالجة واحتواء تمتد لسنوات.
التحليل النفسي والسلوكي لتراكم الصدمات لدى الأطفال
على الصعيد النفسي والسلوكي، تقدم الطبيبة النفسية د. ابتسام تحليلاً عميقاً للآثار المباشرة وغير المباشرة للانقطاع عن التعليم وتجارب النزاع على بناء الشخصية لدى الطفل واليافع. وتؤكد د. ابتسام أن حادثة الاعتداء داخل مدرسة كرري، وما يشابهها من مظاهر العنف المتفرقة، ليست سوى القشرة الظاهرة من "جبل جليد" ينحدر عميقاً في بنية المجتمع المشبع بالصدمات المركبة.
وتوضح د. ابتسام أن العنف السلوكي لا ينشأ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لتراكم الخبرات المؤلمة والمخيفة التي يعيشها الفرد يومياً تحت وصاية الحرب؛ بدءاً من أصوات القصف والنزوح القسري، مروراً بفقدان الأمان الاقتصادي والتفكك الأسري، وصولاً إلى غياب الروتين اليومي المنظم. وتبيّن أن المدرسة كانت تمثل حائط صد نفسي للأطفال؛ حيث توفر لهم بيئة آمنة للتفاعل الاجتماعي، وتفريغ الطاقات، وشعوراً بالانتظام والتنبؤ بالمستقبل. ومع انهيار هذا الجدار التربوي، بات الأطفال والأسر يواجهون الضغوط النفسية دون أدوات حماية أو منافذ للتعبير السليم.
وتلفت د. ابتسام إلى أن التعرض المستمر لضغوط الحرب يؤدي إلى اضطرابات سلوكية ونفسية تظهر في شكل استثارة دائمة، وسرعة غضب، وفقدان القدرة على التحكم في الانفعالات، وشعور تلقائي بالتهديد يدفع الفرد إلى استخدام العنف كآلية دفاعية استباقية. وترى أن بعض الأشخاص الذين يعانون أصلاً من هشاشة نفسية أو تجارب طفولة قاسية يزداد لديهم ميل الانفجار السلوكي عند تعرضهم للمواقف الضاغطة أو الشعور بمحاولة الآخرين السيطرة عليهم، وهو ما يفسر تصاعد حدة النزاعات بين أولياء الأمور والكوادر التعليمية داخل ما تبقى من مدارس عاملة.
وتحذر الطبيبة النفسية من أن استمرار تعطل المدارس وغياب مراكز الدعم والتقييم النفسي المتخصص داخل الأحياء ومخيمات النازحين سيؤدي إلى تفاقم الظواهر السلبية بين الأطفال واليافعين؛ وعلى رأسها ارتفاع معدلات العنف الأسري، وتفشي الإدمان، وسهولة الانقياد نحو الجماعات المسلحة التي تقدم السلاح والمال كبديل للهوية المدرسية المفقودة. وتختتم د. ابتسام قراءتها بالتأكيد على أن معالجة أزمة التعليم لا يمكن أن تقتصر على الجوانب الأكاديمية أو البنيوية، بل يجب أن تضع الصحة النفسية وإعادة التأهيل السلوكي للأطفال والمعلمين في صدارة أي خطة لإنقاذ الجيل الحالي من التفكك الكامل.