بقلم: محمد ديّوب
يوافق التاسع عشر من أغسطس اليوم العالمي للعمل الإنساني، وهو مناسبة للتذكير بمعاناة الشعوب التي تواجه الأزمات، وللتضامن مع المتضررين في شتى أنحاء العالم. وفي الوقت الذي تدعو فيه الأمم المتحدة في هذا اليوم إلى احترام المدنيين وحمايتهم، وتيسير وصول المساعدات الإغاثية بلا عوائق وفقاً للقانون الدولي الإنساني، يكتسب هذا اليوم في السودان معنى استثنائياً؛ فمنذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، والتي خلّفت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، برز التضامن الشعبي امتداداً لثقافات راسخة مثل "النفير" و"الفزع"، التي تطورت اليوم إلى مبادرات أكثر تنظيماً كغرف الطوارئ والمطابخ الجماعية، كعمل إنساني محلي نابع من روح التضامن الأهلي.
منازل مفقودة وقلوب مفتوحة
منذ الساعات الأولى للحرب، وجد إبراهيم عبد الباقي نفسه مضطراً لمغادرة منزله في "أمبدة" صحبة أسرته. حملوا ما استطاعوا من متاع وبدأوا رحلة نزوح طويلة وشاقة نحو الجزيرة ثم سنار وصولاً إلى القضارف. كان الطريق شاقاً ومحفوفاً بالمخاطر، لكن ما علق في ذاكرة إبراهيم كان صور التضامن الإنساني التي شاهدها في طريق النزوح.
في حديثه لـ "ذاكرة المستقبل"، ذكر إبراهيم أنه في كل محطة، كان يجد غرباء يقفون على جانبي الطريق يحملون الماء البارد والعصائر والوجبات الخفيفة، يقدمونها للنازحين دون مقابل. بل إن بعض القرى أقامت نقاطاً أشبه بالحواجز، يقفون فيها لإيقاف العابرين وتزويدهم بالطعام والشراب. وفي جبل موية وحتى سنار، تواصل المشهد ذاته: رجال وأطفال وشباب يقفون بالساعات لدعم من فقدوا مأواهم.
وحين وصل إلى القضارف، صادف رجلاً نازحاً مثله، لكنه كان يستيقظ منذ الفجر لإعداد "العصيدة" وتوزيعها يومياً على الأسر التي تبيت خارج المدينة لعدم السماح لهم بالدخول ليلاً آنذاك. يقول إبراهيم: "طعم تلك العصيدة لم أذق مثله من قبل؛ لا لطيب مذاقها فحسب، بل لأنها حملت معي معنى الإنسانية في أقسى الظروف".
نزح كثيرون مثل إبراهيم من منازلهم دون أن يعرفوا وجهتهم المقبلة. فُتحت المدارس والخلاوي وحتى رياض الأطفال، وتحولت كل مساحة ممكنة إلى مأوى للنازحين في الولايات الآمنة. وكانت دُور الطرق الصوفية وخلاويها الوجهة الأقرب لآلاف الفارين، إذ عُرفت أبوابها المفتوحة منذ القدم للزائرين والعابرين ليجدوا فيها الطعام والمأوى. وفي هذا السياق، لم يتردد الشيخ الياقوت، كسائر مشايخ الطرق الصوفية، في فتح قلبه وبيته لاستقبال من تقطّعت بهم السبل.
المسيد.. ملاذ روحي وملجأ آمن
منذ عام 2012، اعتاد الياقوت -الذي سُمي بهذا الاسم تيمناً بالشيخ- ارتياد مسيد الشيخ الياقوت. يصف الياقوت المسيد اليوم بأنه: "بيت ثانٍ، وكان أكثر ما يميّز المكان آنذاك حلقات (ذكر الأنفاس) عصر كل جمعة"، لكن مع اندلاع الحرب تغيّر الدور ليصبح أوسع من الروحانية فقط. يقول الياقوت إن النازحين تدفّقوا إلى المسيد، غير أن الشيخ رفض تسميتهم "نازحين"، وفضّل أن يناديهم بـ "الوافدين"، مستقبلاً إياهم بترحاب، وموجّهاً المريدين والطلاب لتأمين الطعام والماء وأماكن الراحة، حتى أنه استقبل أكثر من ثلاث أسر داخل منزله الخاص.
خلال أيام قليلة، تحوّلت التكية من تقديم وعائين للطعام إلى أربعة للإفطار وأربعة للغداء، بينما يُقدَّم الفطير باللبن في المساء. ومع تزايد الأعداد، أُنشئت تكية أخرى، وبدا المسيد أشبه بـ "دولة صغيرة آمنة وسط الخراب" كما وصفه الياقوت، لها نظامها الداخلي: من يجمع الحطب، ومن ينظّم أماكن النوم، ومن يتولّى الحراسة، فيما واصلت حلقات الدروس والمديح نشاطها المعتاد.
يقول الياقوت إن الحياة داخل المسيد كانت بسيطة لكنها كافية: طعام متوفر، وسكن، وحتى سكان القرى المجاورة وجدوا فيه ملاذاً آمنًا. وهو ما تكرر في مدن أخرى، حيث لجأ الناس إلى الخلاوي بحثاً عن الأمن، ووجدوا الدعم النفسي والتعليم إلى جانب المأكل والملبس.
ويختم الياقوت حديثه قائلاً: "تلك الأيام غيّرت نظرتي كلياً. رأيت كيف يمكن للطريقة الصوفية أن تكون سنداً للناس في أشد لحظات الخوف، وكيف يتحول المسيد إلى ملاذ ونموذج يُحتذى".
وهذا ما فعله السودانيون منذ زمن بعيد، حين أخرجوا فكرة التكية من المسيد إلى فضاءات الحياة اليومية، لتكون حاضرة في أوقات الشدائد والحاجات في القرى والمدن. ومع اندلاع الحرب، فقد كثيرون أعمالهم ونهبت أموالهم، فلم يستطيعوا السفر أو حتى شراء الطعام. عندها عادت روح التكايا بقوة، فأقيمت آلاف المطابخ الشعبية في الأحياء، كما حدث في أم درمان – أمبدة الحارة 75.
ميدان البليلة
في أم درمان، بحي الثورة الحارة 75، نشأت واحدة من أنشط التكايا الشعبية منذ اندلاع الحرب. يروي مرتضى عبد القادر، المشرف العام على التكية، في حديثه لـ "ذاكرة المستقبل" أن الفكرة بدأت في الشهور الأولى من القتال بوجبة صغيرة لا تتعدى "ربع عدسية". لكن مع تزايد الحاجة بين النازحين وسكان المنطقة، توسّعت التكية تدريجياً حتى باتت توزع وجبات يومية تكفي أكثر من 1,400 أسرة.
اليوم تستهلك التكية نحو أربعة جوالات "عدسية" يومياً، وقد يرتفع الاستهلاك أحياناً إلى 12 جوالاً أو 16 جوال أرز. الوجبة الصباحية ثابتة وهي "بليلة عدسية أو عدس"، تليها وجبتا الغداء والعشاء، ليستفيد منها سكان الحارة 75 والحارات المجاورة، ومعظمهم من النازحين القادمين من أمبدة ودار السلام وبحري.
ولتنظيم العملية، تعتمد التكية نظام "الكروت"، حيث تمتلك ألف أسرة بطاقة ثابتة للاستلام، بينما يتم توزيع الوجبات على نحو 400 أسرة إضافية بلا كروت. ولم يقتصر نشاطها على الطعام، إذ تدخلت أيضاً لتوفير المياه خلال انقطاعها بسبب أزمة الكهرباء، كما قدمت دعماً علاجياً لأصحاب الأمراض المزمنة. ومن أموال التبرعات التي تصل من داخل السودان وخارجه، تُرصد الحالات الخاصة ويُصرف لها مبالغ نقدية.
وفي مبادرة لافتة، نظمت التكية يوماً ترفيهياً للأطفال قدّمت فيه الحلويات والمشروبات ووجبة غذائية متكاملة، إلى جانب ألعاب وعروض مسرحية بمشاركة فرقة موسيقية تابعة لسلاح الموسيقى، كما شمل اليوم برنامجاً للتطعيم.
ويشير مرتضى إلى أن الدعم الأساسي يأتي من أفراد خيرين في الداخل والخارج، إضافة إلى بعض المؤسسات الخيرية التي توقفت مساهماتها منذ رمضان الماضي. يقول مرتضى: "لدينا إخوة في الخارج يقومون باستقطاب الدعم عبر نشر الإعلانات في المجموعات ووسائل التواصل، بينما يتولى مجموعة من الشباب المتطوعين في الداخل مهمة الطبخ والتوزيع وخدمة الأهالي"، موضحاً أن التكية باتت تمتلك داراً تضم مخزناً ومطبخين كبيرين، إضافة إلى سيارة مخصصة لنقل المواد من الأسواق، بفضل هؤلاء الشباب وتفانيهم في خدمة الناس.
ورغم النجاح في خدمة النازحين والمرضى والمحتاجين، تواجه التكية اليوم تحديات متزايدة، أبرزها ارتفاع أعداد المستفيدين بعد توقف معظم التكايا في المنطقة، ما يضع عبئاً إضافياً على التمويل والإمداد.
ولتنظيم الجهود بشكل أكبر وأكثر ترتيباً، بادر بعض الشباب من ذوي الخبرة في العمل العام إلى تكوين غرف الطوارئ بصورة تلقائية في المدن والأحياء، وذلك منذ اليوم الثاني لاندلاع الحرب.
غرف الطوارئ… نفير في ثوب جديد
قال أبو ذر سليمان، أحد المتطوعين في غرف الطوارئ، في مقابلة مع "ذاكرة المستقبل" إن هذه المبادرات ليست فكرة مستوردة ولا عملاً عابراً، بل امتداد طبيعي لثقافة سودانية راسخة تُعرف بـ "النفير" و"الفزع".
ويضيف: "السودانيون والسودانيات، على اختلاف ثقافاتهم وجهاتهم، لديهم تقاليد عريقة في العمل الجماعي والتضامن، خاصة وقت الأزمات. هذه الثقافة متجذرة في المجتمعات الزراعية والرعوية، حيث اعتاد الناس أن يجتمعوا لمساعدة بعضهم البعض عند الحاجة".
من هذه الروح انطلقت غرف الطوارئ، بحسب أبي ذر، برؤية واضحة: تقديم العون التضامني لا المساعدات الإنسانية. والفرق جوهري؛ فالعون يُقدَّم "للأهل" ومن داخل المجتمع نفسه، بينما ترتبط المساعدات عادة بتدخل خارجي.
ويشرح أبو ذر أن "النفير" غالباً ما يجمع الناس في حي أو منطقة أو حول قضية مشتركة، مما يجعل الاستجابة محلية بالكامل: "سكان كل حي أدرى بمشاكلهم واحتياجاتهم، سواء كانت ماءً أو طعاماً أو كهرباء أو علاجاً؛ لذلك جاءت الحاجة لتنظيم الجهود عبر غرف الطوارئ".
ومع توسع المبادرات، برزت الحاجة لهياكل تنظيمية تحكم العلاقات المالية والبرامج والتقارير، خصوصاً بعد تدفق التبرعات. وهنا، كما يقول أبو ذر، جرى إنشاء مجالس تشريعية موازية للمجالس التنفيذية لتتولى مهام الرقابة والمحاسبة.
تتلقى غرف الطوارئ دعمها من مصادر متنوعة، بينها التبرعات المباشرة أو الصندوق السوداني الإنساني. لكن ما يميزها أنها لا تعمل وفق اشتراطات مانحين أو خطط خارجية، بل تُوجَّه مواردها حسب الحاجة الفعلية على الأرض: "إذا كانت المنطقة تحتاج إلى التعليم أكثر من الغذاء، تُوجَّه الأموال للتعليم"، يوضح أبو ذر.
ويختم بالقول إن الفارق الأبرز بين غرف الطوارئ والمنظمات الإنسانية يكمن في احترام كرامة الناس: "مقدمو الخدمة من نفس المجتمع، يساعدون أهلهم، ولذلك يظل التضامن الحقيقي هو ما يمنحه السودانيون لبعضهم البعض".
ثاني أكثر المناطق دموية: أرقام صامتة ومخاطر متصاعدة
لكن هذا التضامن الشعبي الميداني يصطدم بواقع مرير يواجهه المتطوعون؛ إذ يترجم المشهد السوداني التحذيرات الدولية الصريحة حول كلفة الإغاثة. وبحسب بيان صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني بقلم الصحفية إيمان بن يمينة، فقد سُلّط الضوء على تصاعد المخاطر التي يواجهها العاملون في المجال الإنساني في مناطق النزاعات.
وأوضح المكتب أن عام 2025 شهد مقتل أو إصابة أو اختطاف 907 من عمال الإغاثة حول العالم، بينهم 350 قتيلاً و322 مصاباً و235 مختطفاً، وفق قاعدة بيانات أمن عمال الإغاثة التابعة لمنظمة "Humanitarian Outcomes".
وفي السودان، أصبح هذا الواقع الأليم جزءاً من اليوميات؛ حيث سقط 71 من العاملين في المجال الإنساني خلال العام الماضي، لتصبح البلاد في المرتبة الثانية عالمياً من حيث عدد ضحايا عمال الإغاثة، بعد غزة التي سجلت 186 ضحية.
وحذّر بيان "أوتشا" من خطورة تنامي استخدام الطائرات المسيرة المسلحة التي أصبحت تشكل خطراً متزايداً على المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، مشيراً إلى أنها تسببت في 80 بالمئة من وفيات المدنيين في السودان خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، بعدما استهدفت أسواقاً ومرافق صحية.
من القلق إلى المساءلة لحماية الإغاثيين
أمام هذا الواقع الميداني الدامي، أردفت الأمم المتحدة تحذيراتها بمطالبة المجتمع الدولي بالانتقال الفوري من مربعات القلق والإدانة اللفظية إلى الممارسة العملية والمساءلة الفردية، مؤكدة أن استمرار استهداف الكوادر الوطنية والأهلية بالقتل والإصابة والعرقلة يحرم المجتمعات المتضررة من شريان الحياة المتمثل في الغذاء والرعاية الصحية، ويضيق أمامها سبل البقاء والتعافي.
وفي نداء أممي عاجل بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني، طالبت المنظمة أطراف النزاع المسلح والدول بالكف عن استهداف المدنيين والفرق الإغاثية والطبية، مع كفالة حمايتهم وتيسير الوصول الآمن والسريع للمساعدات دون أي عوائق، وفقاً لما ينص عليه القانون الدولي الإنساني. كما شددت على ضرورة التوقف الفوري عن ممارسات القبض والاحتجاز التعسفي والإفراج بغير شروط عن كافة العاملين المحتجزين بغير وجه حق، بالتوازي مع فتح تحقيقات سريعة ومحايدة وفعالة في الانتهاكات المزعومة لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب. ولم تغفل المنظمة البعد الميداني والنفسي؛ حيث دعت إلى مد يد العون لأسر الضحايا والناجين، وتقديم تدابير حماية عملية تشمل توفير التقنيات والمعدات المناسبة، والتدريب الأمني المحترف، إلى جانب تعزيز خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي للفرق التي تعمل تحت النار.
رغم كل التحديات والاستهداف، يظل التضامن الشعبي السوداني مثالاً حياً على قدرة المجتمعات على مواجهة أصعب الأزمات. من التكايا والمسيد إلى غرف الطوارئ، يظهر العمل الإنساني في أبسط صوره: يد تمتد، وجبة توزع، وحماية تُقدَّم لكل محتاج. هذه المبادرات المحلية جسّدت الغذاء والدواء، وكرامة الإنسان وقوة المجتمع في أوقات المحنة. ومع حلول اليوم العالمي للعمل الإنساني، يذكّرنا السودان بأن روح التعاون والتضامن هي أعظم مورد يمكن لأي شعب أن يمتلكه في مواجهة الكوارث، وأن حماية هؤلاء المتطوعين وصون كرامتهم يجب أن تكون أعظم إنجازاتنا الإنسانية.
حقوق انسان
اليوم العالمي للعمل الإنساني: وجوه العمل الإنساني في السياق السوداني