ملف خاص: التعليم في السودان.. من أزمة الحرب إلى خطر الانهيار طويل المدى "2"
ذاكرة المستقبل: غفران حامد
لا تقتصر المأساة التي تضرب قطاع التعليم في السودان على تدمير المباني القومية وحرمان ملايين الأطفال من حق التعلم، بل تمتد لتسحق الركن الأساسي والهيكل المحرك للعملية التربوية: المعلم، والباحث، والأكاديمي. لقد تحول المعلم السوداني، تحت وطأة النزاع المسلح وتداعي مؤسسات الخدمة المدنية، من حامل لرسالة التنوير وباني القوة البشرية للدولة إلى ضحية مباشرة للانكشاف الاقتصادي والمهني؛ يعاني من انقطاع المرتبات لأكثر من عامين، والنزوح القسري، والتعرض اليومي لمهانات الانتهاكات الأمنية، مما أدى إلى تجريف شامل للكفاءات وتفريغ البلاد من رصيدها المعرفي والتنموي التراكمي.
إن قراءة وضع الكادر التعليمي في هذا التوقيت تتطلب النظر إليه باعتباره مؤشراً حرجاً على قدرة الدولة السودانية على الاستمرار والتعافي. فالهجوم على المعلم أو إهماله وتهميشه لا يمثل مجرد أزمة فئوية تخص نقابة أو قطاعاً خدمياً، بل هو تفكيك ممنهج لأحد أهم أركان العقد الاجتماعي؛ إذ إن المعلم هو المربط الإنساني الذي يصل الدولة بالمجتمع، ويمنح الأجيال المتتابعة إحساسها بالهوية الوطنية والانتماء. وعندما ينهار وضع المعلم وتتحول مهنته إلى مصدر للفاقة والمخاطرة النفسية والجسدية، فإن مفهوم الخدمة العامة برمتها يدخل في حالة من الفقدان الشامل للمعنى.
شهادات من قلب اللجوء.. الاقتلاع القسري وهدم الهوية المهنية
تجسد مايسة محجوب، المديرة السابقة لمدارس الخنساء الأساسية للبنات بمحلية الصحافة والعلمة السابقة في مدرسة بشير الحسن الابتدائية بمنطقة الامتداد بالخرطوم، هذا الواقع المؤلم من خلال تجربة اللجوء والاغتراب القسري خارج الوطن. تروي مايسة كيف أجبرتها ظروف الحرب والتدهور الأمني المتسارع، وعمليات السلب والنهب الممنهجة التي طالت الأحياء السكنية، وانعدام الشعور بالأمان الشخصي والأسري عقب اندلاع حرب 15 أبريل، على مغادرة البلاد بحثاً عن ملجأ آمن وفرصة لاستئناف رسالتها التعليمية التي قضت فيها زهرة شبابها.
غير أن رحلة الخروج والبحث عن الذات لم تكن سوى بداية لمواجهة تحديات مريرة ومستجدة في بيئات اللجوء والاغتراب؛ حيث اصطدمت ببيئات عمل في بعض المدارس والمؤسسات الخاصة تفتقر إلى الالتزام بشروط الخدمة العادلة، وتتعمد هضم الحقوق الأدبية والمادية للمعلم السوداني المهاجر، استغلالاً لظروفه القاسية وحاجته الماسة لكسب العيش. وتلفت مايسة إلى أن ما ألمّ بها وبزملائها من الكوادر التعليمية يمثل تجربة حادة من الاقتلاع العاطفي والمهني؛ إذ يجد المربي نفسه مجبراً على التخلي عن تاريخه التربوي وسلطته المعنوية ليواجه التهميش وغياب التقدير المؤسسي.
تعبر مايسة عن حالة عميقة من الفراغ النفسي والمهني الشديد جراء هذا الاقتلاع الاضطراري، واصفةً إياه بفقدان سنوات طويلة من الجهد والكفاح والتراكم الخبراتي المتواصل. وتشدد على أن التعليم في وجدان المعلم السوداني لم يكن يوماً مجرد أداء وظيفة أكاديمية لقاء أجر مالي، بل هو فعل إنساني ورسالة تربوية تقوم على صياغة العقول، وبناء العلاقة الوجدانية والتواصل الحي بين المربي وطالبه داخل الفصل والمجتمع.
وتحذر مايسة من أن الهجرة الجماعية الاضطرارية للكوادر التعليمية والتربوية تشكل مؤشراً خطيراً على مستقبل التعليم في السودان؛ لأنها تعني نزيفاً صامتاً للخبرات التي تراكمت عبر عقود من التدريب والممارسة الميدانية. وتؤكد أن خسارة هذه الخبرات لن تنعكس فقط على انخفاض جودة التدريس عند فتح المدارس، بل ستؤدي إلى قطع سلسلة التوارث التربوي بين الأجيال المعلمة، مما يحرم السودان من أجيال من المربين الذين كان بمقدورهم الإسهام في إعادة بناء الوجدان الوطني وترسيخ قيم السلام والمواطنة لدى أطفال المستقبل.
التحليل التنموي والاقتصادي.. الانهيار الهيكلي وتجريف رأس المال البشري
من زاوية التحليل الهيكلي والسياسات العامة، يقدم الباحث في السياسات العامة نجم الدين قراءة تنموية شاملة للأزمة، مؤكداً أن ما يحدث في قطاع التعليم يتجاوز الآثار المباشرة للحرب الميدانية ليعكس "انهياراً هيكلياً كاملاً" نتج عن التقاء التدهور التاريخي في السياسات العامة بالآثار التدميرية للصراع المسلح. ويشير نجم الدين إلى أن الأزمة تحولت من تعطل دراسي مؤقت يمكن معالجته ببرامج تعويضية إلى كارثة تنموية واجتماعية تمس عصب الأمن القومي السوداني واستقرار المجتمع.
وبحسب التقديرات التي يستند إليها أستاذ السياسات العامة، فإن الحرب تسببت في خروج أكثر من 100 جامعة ومعهد للتعليم العالي والبحث العلمي عن الخدمة كلياً أو جزئياً، نتيجة أعمال القصف والنهب وتدمير بنيتها التحتية، أو تحويل مرافقها ومجمعاتها السكنية إلى ثكنات عسكرية ومراكز لإيواء الفارين من نيران النزاع. وأدى هذا التدمير إلى ضياع أرشيفات أكاديمية تاريخية، ومعامل بحثية نادرة، ومكتبات قومية لا يمكن تعويضها، مما يمثل ضربة قاضية للبنية المعرفية للدولة السودانية.
ويرى نجم الدين أن الانقطاع الجماعي عن التعليم وهجرة الأساتذة والباحثين والمعلمين إلى خارج البلاد تسببا في تفريغ المؤسسات من رصيدها المعرفي، مما أحدث فجوة عميقة في جودة التعليم والبحث العلمي ستمتد آثارها لعقود قادمة. ويحذر من أن الكلفة الاقتصادية لهذا التجريف ستكون باهظة وغير قابلة للاستدراك المباشر؛ حيث إن حرمان ملايين الشباب والأطفال من التزود بالمهارات المعرفية والتكنولوجية الحديثة يُقلص الإنتاجية المستقبلية للقوى العاملة القومية، ويُضعف قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي والتنافسية وجذب الاستثمارات الخارجية.
ويشير نجم الدين إلى جبهة أخرى للأزمة تتمثل في تسييس العملية التعليمية واستخدامها كأداة في الصراع والتجاذب بين القوى المتصارعة. ويظهر ذلك جلياً في الانقسام الذي طال المنظومة التعليمية، والمناهج الدراسية، وإجراء الامتحانات القومية بين مناطق السيطرة المتباينة، مما يهدد بتفكيك وحدة الشهادة السودانية، وضرب القيمة الأكاديمية للمؤهلات القومية، وتكريس الانقسام الجغرافي والسياسي داخل وجدان الطلاب والأسر.
خارطة التعافي الوطني ورؤى السياسات العامة
ولمواجهة هذا التداعي الكارثي ورسم مسارات جادة للتعافي الوطني، يتجاوز أستاذ السياسات العامة نجم الدين الحلول السطحية المحصورة في المفهوم التقليدي لإعادة فتح أبواب المدارس والجامعات؛ إذ يرى أن أزمة بهذا الحجم تتطلب قراءة مختلفة تضع التعليم في الموضع المستحق داخل مركز العملية السياسية والتنموية لإعادة بناء الدولة السودانية.
تستند رؤية نجم الدين إلى صياغة خارطة طريق شاملة تبدأ من وضع أساس متين للبنية التحتية الرقمية، عبر تأسيس منصات تعليمية قومية مفتوحة ومجانية، بالتوازي مع توفير أجهزة اتصال مدعومة للطلاب في مناطق النزوح واللجوء لضمان استمرار التحصيل الأكاديمي وإعادة من قست عليهم ظروف الحرب. ولا تتوقف المعالجة عند حدود الأجهزة والمنصات، بل تمتد لتشمل حماية العصب الحقيقي للمنظومة من خلال إنشاء صندوق قومي لدعم المعلمين والأكاديميين بتمويل وطني ودولي مشترك، يوفر حماية اجتماعية ومالية متكاملة تضمن انتظام صرف المرتبات وتقديم حوافز تشجيعية لكبح جماح هجرة العقول واستعادة الكفاءات المسلوبة.
وفي البعد الميداني، يشدد نجم الدين على ضرورة فرض حظر فوري وشامل لكافة مظاهر العسكرة داخل المدارس والجامعات، وإخلائها بالكامل سواء من القوات المسلحة أو من الأسر النازحة عبر توفير بدائل إيواء إنسانية ملائمة، تمهيداً لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة بتمويل اقتطاعي مباشر من ميزانيات التعافي القومي. وتتوج هذه الرؤية بمنح المجمعات الأكاديمية والمؤسسات التربوية استقلالية إدارية وفكرية كاملة تحميها من شباك التسييس والاستقطاب، مع العمل الجاد على إعادة هيكلة المناهج الدراسية لتصبح أداة لترسيخ قيم السلام وتفكيك خطاب الكراهية. تتكامل هذه المعالجة السياساتية مع المنظور النفسي والتشريعي المخصص لحماية الكادر والبيئة التعليمية، ليصبح التعافي التزاماً حقيقياً يرتكز على العدالة والأمان الإنساني.
بالتوازي مع الحلول التنموية والهيكلية، تضع الطبيبة النفسية د. ابتسام إطاراً للحماية النفسية والتشريعية للنهوض بالقطاع التعليمي، مؤكدة أنه لا يمكن الحديث عن تعافٍ أكاديمي دون حماية الكادر التدريسي ومعالجة الضغوط النفسية المتراكمة لدى أطراف العملية التعليمية.
تدعو د. ابتسام إلى تأسيس «مجلس أعلى للصحة النفسية» يقع على عاتقه إدماج خدمات الدعم النفسي والاجتماعي بصورة رسمية ومؤسسية داخل المدارس، ورياض الأطفال، ومؤسسات العمل، ومخيمات الإيواء. وتشدد على ضرورة توفير اختصاصي نفسي واجتماعي في كل منشأة تعليمية، يتولى إدارة الأزمات السلوكية، واحتواء مشاعر الغضب لدى أولياء الأمور والمعلمين، والتدخل المبكر لمنع التصعيد والعنف.
كما تؤكد د. ابتسام على الجانب التشريعي، داعية إلى سن قوانين صارمة وحازمة تُجرّم كافة أشكال الاعتداء اللفظي والجسدي أو التهديد بالسلاح ضد الكوادر التعليمية والتربوية داخل المنشآت أو خارجها. وتشدد على ضرورة رفع الحصانات الإدارية والعسكرية عن أي شخص يرتكب اعتداءً على منشأة مدنية أو معلم، لضمان ألا تحول المحسوبية أو الانتماءات الوظيفية والسلطوية دون تنفيذ العدالة الناجزة، بما يعيد للمؤسسة التعليمية هيبتها وللمعلم أمانه الشخصي والمهني.
وتختتم د. ابتسام تحذيرها بالتشديد على ضرورة تنظيم حملات توعية قومية لكسر الوصمة الاجتماعية المرتبطة بطلب الدعم النفسي، داعية كافة فئات المجتمع وأطراف النزاع إلى الاستجابة لنداء العقل والضمير الوطني، قائلة: "نرفع صوتنا عالياً وننادي كافة أجهزة الدولة والمجتمع الدولي: الحقوا التعليم قبل أن تكبر الكارثة وتتسع الفجوة بصورة نفقد معها السيطرة الكلية على مستقبل أجيالنا".
إن معركة إنقاذ التعليم في السودان اليوم ليست خياراً خدمياً ثانوياً يُرجأ إلى ما بعد السلام، بل هي المعركة الحقيقية لصناعة السلام نفسه؛ إذ لا يمكن بناء دولة المواطنة والعدالة على أنقاض جيل يفتقر إلى التعليم والأمان النفسي، ولا يمكن لاقتصاد السودان أن يستعيد عافيته دون الحفاظ على معلمه ورأس ماله المعرفي والتنموي.
التعليم
المعلم والاقتصاد القومي.. نزيف الكفاءات وتداعي الدولة